ندم عمري حكايات صافي هاني

خرجت معاه، وبصيت له: “خير يا عم أحمد؟ في حاجة حصلت في القسم؟”
تنحنح وقال: “يا بني.. النيابة أمرت بحبس والدتك وأختك 4 أيام على ذمة التحقيق، والتجديد بتاعهم بكرة.. أبوك وعمامك جم من البلد وقلبوا الدنيا، وهما دلوقتي مستنيينك تحت قدام باب المستشفى.. عايزين يكلموك”.
أنا دمي حار في عروقي، وافتكرت كل اللي حصل، بس قولت لعم أحمد: “ماشي يا عم أحمد، أنا هجيب ندى والواد ونركب ورايحين على بيتنا، والي هيمد إيده على حاجة تخصني هقطعها”.
نزلت وأنا شايل يوسف، وعم أحمد ساند ندى.. وأول ما خرجنا من بوابة المستشفى، لقيت أبويا وعمامي التلاتة واقفين، وشوشهم عرقانة ومشدودة.. أول ما أبويا شافني، قرب مني وعينه كلها غضب وعتاب: “بقى بتهون عليك أمك يا يحيى؟ تحبس أمك وأختك عشان حتة عيل ومرأتك؟ فضحتنا وسط البلد وخليت اللي ما يشتري يتفرج علينا!”.
وقفت مكاني، وبصيت في عين أبويا بكل قوة، وبدون خوف: “يا با.. أمي اللي هانت لحمي.. أمي اللي سابت ابن ابنها يموت من الجفاف وهي قاعدة تاكل وتشرب وتتفرج على التلفزيون.. لو كانت ندى ماتت، كنت هتيجي تقولي معلش دي هرمونات؟ أنا مخربتش بيت حد.. هما اللي خربوا بيتي بإيديهم”.
عمي الكبير قرب وحط إيده على كتفي يحاول يهديني: “يا بني، احنا مقدرين وجعك، والحمد لله إن المدام والواد بخير.. بس دي أمك، والجنة تحت أقدام الأمهات.. والصلح خير، احنا جايين نرضي مراتك، ونكتب لها قرشين، بس تتنازل عن المحضر.. البهدلة دي متليقش بأسرتنا”.
بصيت لندى.. لقيتها بتبص لي وعينها مليانة رجاء، بس مش رجاء الخوف، كانت بتبص لي كأنها بتقولي “أنا واثقة فيك وفي قرارك”.
قولت لعيلتي بصوت قاطع: “أنا مش هتنازل عن المحضر الجنائي.. ده حق الدولة وحق طفل ملوش ذنب.. بس عشان خاطر شيبتك يا با، وعشان ربنا ميرضاش بقطع الأرحام، أنا هطلب من المحامي بتاعي يشوف مخرج قانوني يخفف الحكم أو يخليه مع إيقاف التنفيذ بعد ما يتربوا قرصة ودن في الحبس.. بس بشرط واحد، والكل يسمعه”.
أبويا بص لي وقال: “إيه هو الشرط؟”
قولتله: “أمي ورنا رجلهم متخطيش عتبة بيتي تاني.. وندى خط أحمر، اللي هيقابلها في مناسبة أو شارع يرفع راسه ويحترمها، وإلا قسمًا بالله العظيم هنسى إن لي أهل، والبلد اللي هما فيها مش هتدخلها رجلي”.
عمامي بصوا لبعض، وأبويا اتنهدت تنهيدة طويلة مليانة انكسار وقال: “ماشي يا يحيى.. اللي تشوفه.. المهم نخلص من المصيبة دي”.
ودعتهم وركبت التاكسي مع مراتي وابني، ورجعنا لبيتنا الصغير.. أول ما دخلنا، ريحة البخور والهدوء كانت مالية المكان.. أم محمد جارتنا كانت مجهزة لنا لقمة دافية.. قعدت ندى على السرير وحطيت يوسف في حضنها..
بصيت حوليا وحسيت بالسلام لأول مرة من أسبوع.. اتعلمت الدرس الغالي؛ البيوت بتتبني بالرحمة، والراجل اللي مبيحميش مراته وعياله من أذى القريب قبل الغريب ميتسمّاش راجل.. قفلت بابي، وقولت: “بسم الله الرحمن الرحيم.. ربنا يجعله بيت بركة وأمان، ولا يدخل علينا ظالم ولا حاسد”.

