ندم عمري حكايات صافي هاني

رنا ردت ببرود: “جرى إيه يا يحيى؟ وإحنا مالنا؟ هي اللي دلوعة ومبتستحملش، وإحنا كنا بنطبخ وبننظف، تلاقيها هي اللي مكنتش بتاكل ومأهملة في نفسها”.
في اللحظة دي، وف وسط صدمتي، لقيت اتنين عساكر وضابط شرطة داخلين الطوارئ.. الدكتورة شاورت عليا وعلى أمي وأختي وقالت للضابط: “هما دول يا فندم.. دي حالة إهمال طبي جسيم أدت لشبهة شروع في قت..ل لطفل حديث الولادة وأمه”.
الضابط بصلنا وقال بحزم: “بطاقاتكم معايا.. وتيجوا معانا على القسم”.
أمي بدأت تصوت وتلطم في وسط المستشفى: “يا لهوي! يا فضيحتنا وسط الناس! بقى عايز تحبس أمك وأختك عشان خاطر واحدة غريبة يا يحيى؟”
بصيت لها وقلت والكسرة مالية قلبي: “الظاهر إن الغريبة دي هي اللي كانت صايناني وصاينا بيتي.. وأمي وأختي هما اللي هانوا لحمي وشرفي بغيابي.. سيبوا القانون ياخد مجراه، وأنا مش هسيب حق ابني ومراتي لو هقف ضد الدنيا كلها”.
أخدوهم على القسم، وأنا قعدت قدام باب الرعاية المركزة.. حاطط راسي بين إيدي، بستغفر ربنا وبدعوه في كل سجدة إنه ينجي ندى ويوسف، ويرجعهم لحضني.. وعاهدت نفسي إن اللحظة اللي هيفتحوا فيها عينهم، هتكون بداية لرحلة تانية خالص، رحلة مفيهاش مكان لأي حد قست قلبه، حتى لو كان أقرب الأقربين.
مرت الساعات وأنا قاعد في الممر، ضهري ساند على الحيطة الساقعة، وعيني مش بتفارق باب الرعاية. كل ما الممرضة تفتح الباب وتدخل، قلبي يتخلع من مكانه.. مفيش في بقي غير كلمتين: “يا رب.. ارحم ضعفي ورجعهم لي بالسلامة”.
على الساعة تسعة الصبح، الدكتورة خرجت من الرعاية.. كانت باينة عليها التعب، بس ملامحها كانت أهدأ من الأول. جريت عليها وأنا رجلي مش شايلاني: “طمنيني يا دكتورة.. بالله عليكي قوليلي إنهم بخير”.
الدكتورة قلعت الكمامة واتنهدت: “الحمد لله.. لحقناهم في آخر لحظة. المدام علقنا لها مضادات حيوية قوية جداً في المحاليل عشان نسيطر على التسمم، وحرارتها بدأت تنزل.. والطفل حطيناه في الحضّانة وتحت الملاحظة وبدأنا نعوض الجفاف اللي عنده، جسمه الصغير بيستجيب للعلاج.. بس لسه قدامهم 48 ساعة تحت الملاحظة الدقيقة”.
نزلت على الأرض سجدت لربنا سجدة شكر طولت فيها.. كنت ببكي وبغسل وشي بدموع الندم.. ربنا نجاني من ذنب كنت هعيش عمري كله بدفع تمنه.
عم أحمد جاري جاب لي كوباية شاي دافية وقعد جنبي: “شفت بقى يا يحيى؟ ربنا لطيف بعباده.. قوم يا بني اغسل وشك واستقوى، وراك مشوار طويل في القسم، والظابط مستنيك عشان المحضر”.
شربت بق شاي بالعافية، وقمت مع عم أحمد.. ركبنا عربيتة وطلعنا على القسم. أول ما دخلت، لقيت أمي ورنا قاعدين على دكة خشب في الطرقة، وشهم أصفر، وأول ما أمي شافتني قامت وجريت عليا، وهي بتبكي وتتمسح فيا: “يا يحيى يا بني.. يرضيك أمك تتبهدل في الأقسام بالشكل ده؟ إحنا ملحقناش نعمل لها حاجة، هي اللي كانت تعبانة من الأول، متخربش بيتنا يا بني”.



