ندم عمري حكايات صافي هاني

بصيت لها ونظرة عيني كانت غريبة.. مكنش فيها غل، كان فيها موت.. إحساس إن الشخص اللي المفروض يحميك هو اللي طعنك في ضهرك. قلت لها بصوت واطي ومسموع: “أنتِ مخرِبتيش بيتي يا أمي.. أنتِ كنتِ هتموّتي ابني.. ابني اللي من لحمكم.. اتقال لي في المستشفى إنكم سبتوهم من غير نقطة مية ولا لقمة، وقافلين عليهم الأوضة عشان متسمعوش عياطهم وتعيشوا حياتكم وتطلبوا دليفري.. اتقوا الله بقى!”.
دخلت لظابط المباحث.. بصل لي وقال لي: “يا يحيى، التقرير الطبي اللي جاي من المستشفى صعبة جداً، وفي إهمال متعمد يرّقى لجناية.. أنت بصفتك زوج الضحية ووالد الطفل، أقوالك إيه؟”
بصيت للظابط، وافتكرت شكل ندى وهي وشها رصاصي وصوابعها متشنجة في الملاية، وافتكرت صوت يوسف اللي طالع بالعافية.. وقولت بقلب جامد: “أنا بثبت حالة الإهمال يا فندم، وبطلب تفريغ كاميرات الموبايل بتاعي والمكالمات اللي كنت بطلب فيها منهم يشوفوا مراتي، وبطلب شهادة الجيران لو حد سمع حاجة.. أنا مش هتنازل عن حق مراتي وابني.. القانون ياخد مجراه”.
أمي ورنا صرخوا لما عرفوا إني متبلتش عليهم، وإن المحضر هيمشي للنيابة.. بس أنا مالتفتش ورايا. خرجت من القسم ورجعت فوراً للمستشفى.
بعد يومين.. اتنقلت ندى لأوضة عادية، ويوسف خرج من الحضّانة وبقى في حضنها.. دخلت الأوضة، كانت شمس ربنا مالية المكان.. ندى كانت قاعدة ساندة ضهرها، وشها ردت فيه الروح، وشايلة يوسف وبترضعه.. أول ما شافتني، عيونها دمعت.
قربت منها، ونزلت على ركبي جنب السرير، أخدت إيدها وبستها وأنا ببكي: “سامحيني يا ندى.. أنا اللي سيبتكم.. أنا اللي قصرت”.
حطت إيدها التانية على راسي وقالت بصوت ضعيف بس كله حنية: “المهم إنك جيت يا يحيى.. ربنا كاتب لنا عمر جديد مع بعض”.
بصيت ليوسف وهو نايم في حضنها، وبيتنفس بهدوء، وحسيت إن ربنا اداني فرصة تانية عشان أكون راجل بجد وأحمي بيتي.. ومن اليوم ده، قفلت باب حياتي على مراتي وابني، وبقى بيتنا الصغير مقفول علينا بالبركة والرضا، وبعيد عن أي إيد ممكن تمد لنا أذى.. حتى لو كانت الإيد دي من أقرب الناس.
مرت الأيام، وندى بدأت تسترد عافيتها بالتدريج، ويوسف الصغير وشّه ردت فيه الروح وبقى يملى البيت بصوت عياطه الطبيعي اللي كان بالنسبة لي أحلى نغمة في الدنيا.
في اليوم اللي الدكتور كتب لندى فيه على خروج، كنت مجهز كل حاجة.. اشتريت طلبات البيت كلها، وجبت واحدة ست طيبة من جيراننا، اسمها أم محمد، عشان تقعد مع ندى أول كام يوم وتساعدها في نظافة البيت والطبخ، وبقيت أدفع لها أجرها برضا ونفس طيبة.. المهم مراتي وابني ميتسابوش لوحدهم تاني.
وأنا بلم الهدوم والورق عشان نخرج من المستشفى، لقيت عم أحمد جاري داخل عليا الأوضة، وشه مكنش مطمن.. خبط على كتفي وقال لي: “يحيى.. عايزك برة في الطرقة كلمة لوجه الله”.


