حمايا رماني انا وعيالي السته حكايات صافي هاني

حمايا رماني أنا وعيالي الستة في عز المطر والشتا وهو بيزعق ويقول: “البيت ده ما يقعدش فيه غير اللي من دمنا وبس”. لكن في اللحظة اللي نطقت فيها الاسم اللي مكتوب في عقد الملكية، ملامحه اتقلبت تماماً، وكل اللي كانوا واقفين يتفرجوا ويضحكوا سكتوا فجأة.
كلام الحاج إبراهيم نزل عليا زي الصخر. كانت الساعة داخلة على نص الليل في كومباوند مقفول في التجمع، والمطر كان نازل زي السيول لدرجة إنه كان بيخبط بقوة في البوابة الحديد. كنت واقفة برا وضامة بنتي الرضيعة اللي عندها ١١ شهر لصدري، وعيالي الخمسة الباقيين مستخبيين ورا ضهري، لابسِين شنط المدرسة وفي إيديهم كيسين زبالة سود فيهم شوية الهدوم اللي حماتي لمتهم ورمتهم في وشنا.
جوزي “أحمد” ما كملش ٨ أيام ملي ميت.
تمن أيام بس ملي المرض خده مننا بعد شهور وهو بيضعف قدام عينا على سرير المستشفى، في الوقت اللي أبوه وأمه مكانوش بيجوا يزوروه أصلاً إلا لو عايزين يتكلموا في مصاريف، أو دكاترة، أو عشان بس شكلهم قدام الناس والمنظرة.
قلتله وصوتي بيترعش وأنا بحاول أتمالك نفسي: “يا حاج إبراهيم، أرجوك.. دول عيال ابنك، وده كان بيت أحمد كمان”.
حماتي “الحاجة مرفت” ظهرت من وراه، كانت حاطة ميك أب كامل ولابسة شال غالي على كتافها، وقالت ببرود: “كان بيت أحمد عشان إحنا اللي سيبناه يقعد فيه.. لكن أنتِ عمرك ما كنتِ شبهنا يا صابرين. بنت الأرياف اللي ملهاش أصل مش هتبقى من عيلتنا لمجرد إنها اتجوزت ابن إبراهيم الشناوي”.
ابني الكبير “محيي”، اللي عنده ١٣ سنة بس، طلع لقدام وعينيه حمرا.. مش من الخوف، من الغل والوجع، وقال: “أبويا قال إن أمي هتفضل قاعدة هنا معانا.. أنا سمعته بنفسي”.
الحاج إبراهيم رفع إيده وضربه بالقلم على وشه. صوت القلم رن في الشارع وفوق البوابة الحديد.
في اللحظة دي، في حاجة جوايا اتكسرت.
قلتله وأنا حاضنة البنت أكتر: “إياك تمد إيدك على ابني تاني”.
ضحك باستهزاء وقال: “وهتعملي إيه يعني؟ هتشتكيني؟ بانهي فلوس؟ بالقرشين الفكة اللي كانوا معاكِ لما ابني اتجوزك من منطقتك الشعبية؟”
بناتي “فاطمة” و”عائشة” قعدوا يعيطوا في أحضان بعض. والتوأم “حسن” و”حسين” مخبيين وشوشهم في عبايتي. والصغيرة “خديجة” كانت دافية على رقبتي، لسه سخنة وجسمها مولع نار من السخونية.
مرفت رمت كيس تاني على الأرض، الكيس اتقطع والهدوم اتطوحت في طين المطر.
وقالت: “إحنا غيرنا كوالين البيت خلاص.. ولو حاولتي ترجعي، هنقول للناس كلها إنك جيتي تتبلي علينا ومجنونة. أصل ست غلبانة وأرملة ومعاها ست عيال مش محتاجة مجهود عشان تبان إنها بتشحت ومتبهدلة”.
بصيت ناحية الشبابيك.. قرايبهم، عمامهم، والجيران.. كله كان واقف يتفرج من ورا الشيش. مفيش راجل واحد فيهم نزل، ولا حد دافع عن عيالي اليتامى.
بقالى ١٤ سنة ساكتة وبستحمل عشان كنت بحب أحمد. سكت لما كانوا بيقولوا عليا طمعانة في فلوسهم. وسكت لما كانوا بيتريقوا عليا عشان خلفت عيال كتير. وسكت وأحمد عيان وهم عمالين يفكروا في الأملاك والعقارات ومش سائلين في وجعه.



