بعد خروجي من السجن حكايات صافي هاني

بعد تلات سنين في السجن، رجعت بيتي عشان أتفاجأ إن أبويا مابقاش موجود، ومرات أبويا هي اللي مسيطرة على البيت. قالتلي ببرود: “أبوك اتدفن من سنة.. يلا اتفضل اخرج بره بيتي”. وبعدها رزعت الباب في وشي. وأنا في قمة كسرتي، جريت على المدافن عشان أدور على قبره، بس التربي العجوز بصلي بشفقة وهمس في ودني: “أبوك مش هنا”.
جسمي كله سقع وتلج. بعدها اكتشفت جواب مستخبي، ومفتاح أبويا سابهولي، وحقيقة مرعبة كانت كفيلة تهد عالم مرات أبويا ده كله فوق دماغها.
الحرية ماكنش طعمها حلو زي ما كنت متخيل.
كان طعمها شبه دخان الديزل، والقهوة الشايطة، وريحة المعدن النفاذة في موقف الأوتوبيسات وقت الفجر. بعد تلات سنين ورا القضبان، خرجت وأنا شايل كل دنيتي في كيس بلاستيك.
بس ماكنتش بفكر في السجن خالص.
أنا كان كل تفكيري في أبويا.
كل ليلة كنت بقضيها جوه، كنت بتخيله وهو قاعد على كرسيه الجلد القديم المستهلك، والنور الأصفر الدافي منور وشه التعبان. في خيالي، كان دايماً عايش، دايماً مستنيني، ودايماً مصدق فيّ.. في النسخة القديمة مني قبل المحاكمة، وقبل مانشيتات الجرايد، وقبل ما الكل يقرر إن “إيلاي فانس” مجرم.
عشان كده طلعت على البيت علطول.
أو على الأقل، المكان اللي كنت فاكره بيتي.
الشارع في الأول كان باين عادي وعارفه، بس كل ما بقرب، كل ما بحس إن فيه حاجة غلط. سور البلكونة ادهن أزرق رمادي بدل الأبيض المقشر اللي كنت عارفه. جنينة الورد المنكوشة بتاعت أبويا اتقلعت واتحط مكانها شجيرات صغيرة ومنظمة وغريبة عليا. وفيه عربيتين زيرو واقفين في المدخل.
هدّيت خطوتي، بس كملت مشي.
باب البيت كمان اتغير، بقى رمادي فاحم بدل الباب الكحلي القديم اللي أبويا كان مختاره بنفسه. ومكان دواسة الباب المعوجة اللي كان كاتب عليها “مرحباً”، بقى فيه واحدة شيك ومكتوب عليها:
“بيت العز”.
خبطت جامد.
مش خبطة حد ذوق ومؤدب.
خبطت خبطة ابن قعد يعد ١٠٩٥ يوم عشان يرجع بيته.
الباب اتفتح.
بس ريحة القهوة والكتب القديمة ونشارة الخشب ماستقبلتنيش.
اللي استقبلتني كانت “ليندا”.
مرات أبويا كانت واقفة ولابسة بلوزة ستان شيك، وشعرها متظبط على الشعرة، وبتبصلي من فوق لتحت وكأني طرد مش مرغوب فيه جايبلها.
لثانية واحدة، افتكرت إنها ممكن تتفاجأ.
أو حتى تحس بالذنب.
بس ده ماحصلش.
قالتلي بنبرة ميتة: “خرجت يعني”.
سألتها بصوت خشن وعالي زيادة عن اللزوم: “فين أبويا؟”
بوزها اتلوى.
وبعدها قالت الكلمتين اللي خلوا الأرض تتهد من تحت رجلي.
”أبوك اتدفن من سنة”.
برقتلها.
الجملة مش راكبة في دماغي.
اتدفن!
من سنة!
قعدت مستنيها تصحح كلامها، تشرحلي، تعترف إنها دقة وحشة أو غلطة غبية.
بس هي كانت بتبصلي بقمة الشماتة والبرود.
قالت: “احنا اللي عايشين هنا دلوقتي، فـ ياريت تمشي”.
ريقي نشف.
”وليه محدش عرفني؟”



