حياة من ورق حكايات صافي هاني

محمود قعد جنبها على الكرسي وابتسم: “سمي الله يا أمل.. الأكل ده كله عشانك وعشان أختك.. كلي واشبعي يا بنتي”.
البنت بدأت تأكل، ومع كل لقمة كانت بتدعي بصوت واطي: “الحمد لله.. يارب يخليك يا عمو محمود.. يارب يرحمك يا ماما”. محمود كان قاعد باصص لها، وحاسس إن لقمة العيش اللي البنت بتأكلها دي بتداوي جرح جوة قلبه هو.
المشهد العاشر: الحساب القديم
الساعة بقت 9 بالليل. تليفون محمود رن، وكان المحامي بتاعه، “متر مدحت”.
“أيوة يا مدحت، عملت إيه في الحكاية اللي قولتلك عليها؟”
صوت مدحت جه جاد جداً: “يا فندم، أنا روحت القسم وعملت تحريات عن العنوان اللي كان في الورقة. الراجل جوز أمهم ده مسجل خطر، واسمه ‘سيد التربو’.. ومعروف في المنطقة هناك إنه بيشغل العيال الصغيره في الشحاتة والتسول. أول ما عرف إن الأم ماتت والبنات هربوا، كان قالب الدنيا عليهم عشان يبيع البنت الصغيرة لشبكة تسول تقيلة في المحافظات”.
محمود عينه ضيقت، وجسمه شد: “والورق بتاع الشؤون والمستشفى؟”
مدحت رد: “كله تمام يا فندم. المحضر اتعمل بإثبات حالة تعذيب وإهمال وتشريد ضد الراجل ده، والنيابة أصدرت قرار ضبط وإحضار ليه فوراً. وبخصوص البنات، النيابة وافقت على قرار استضافة مؤقتة في بيتك تحت رعايتك لحد ما إجراءات الوصاية الكاملة تخلص، طبعاً لإن اسم المدام الله يرحمها كان خيط قوي جداً وثبت إن الأم كانت طالبة كفالتها رسمياً قبل ما تموت”.
محمود أخد نفس طويل وقال: “تمام يا مدحت.. الراجل ده يتداس عليه بالقانون، وميشمش الشمس تاني. والبنات هنا في رقبتي ليوم الدين”.
قفل الموبايل وبص من الشباك على النيل وأنوار القاهرة. لأول مرة من تلات سنين، محمود محسبش أرقام البورصة، ولا فكر في صفقة بكره، ولا بص في ساعة موبايله عشان يشوف الإيميلات. كان بيفكر في حاجة واحدة بس.. إن ربنا نجى البنتين دول من جهنم، واختاره هو بالذات عشان يكون السند.
المشهد الحادي عشر: الأمانة وصلت
دخل محمود براحة على الأوضة الكبيرة. أمل كانت نامت هي كمان جنب أختها ملك. الأوضة كانت دافية، وصوت نفس البنتين الصغيرين كان منتظم وهادي. أمل كانت حاضنة أختها جامد، بس وشها مكنش فيه الخوف اللي كان في الممر.. كان فيه سلام غريب.
محمود قرب من السرير، ووطى غطاهم براحة. وبص لملك الصغيرة اللي النبض في إيدها بقى قوي وزي الفل.
طلع الورقة القديمة المتبهدلة من جيبه، وبص لإمضاء مراته “كريمة” اللي كان مكتوب في دفاتر الجمعية القديمة ومطبوع في روحه. مسك الورقة، وبص للسما وقال بصوت همس ودموعه نازلة لأول مرة من يوم العزا: “أمانتك وصلت يا كريمة.. والله العظيم وصلت، ونامي مرتاحة.. طول ما فيا نفس في الدنيا، محدش هيلمسهم بسوء”.
في اللحظة دي، محمود حس إن المكنة اللي جواه وقفت.. والبني آدم هو اللي رجع يعيش. مكنش محتاج الملايين ولا الأبراج ولا الشركات عشان يحس إنه إنسان.. كان محتاج بس يسمع كلمة “يا عمو” من طفلة غلبانة عشان يعرف إن الدنيا لسه فيها خير، وإن ربنا رحيم بعباده، وبيسبب الأسباب في عز الضلمة عشان ينور قلوب الناس.


