حياة من ورق حكايات صافي هاني

​في اللحظة دي، أمل قامت من مكانها وخطت ناحية محمود. كانت بتعرج شوية. وقفت قدامه، ومدت إيدها الصغيرة وهي بتترعش، وطلعت من فردة جزمتها المقطوعة حتة ورقة مطبقة مية تطبيقة، ومتبهدلة من العرق والتراب.

​رفعت إيدها بالورقة ومسكت في بنطلون محمود: “عمو.. أنا مش كدابة، والله العظيم ما كدبت عليك. أنا مكنتش عايزة أسرق الدفن، الورقة دي كانت مع ماما قبل ما تموت في الأوضة اللي كنا مأجرينها.. قالتلي لو جرالي حاجة وأختك تعبت، خدي الورقة دي وروحي للعنوان ده.. بس أنا مكنتش عارفة أقرا، وكنت خايفة من جوز ماما لو شافني هياخد أختي يبيعها”.

​محمود أخد منها الورقة براحة، صوابعه كانت بتتcommon وهو بيفتحها. الورقة كانت قديمة، ومكتوب فيها بخط إيد مهزوز، كأنه اتكتب في ثواني أخيرة من العمر.

​فتح الورقة وقرأ السطور الأولى:

“اللي يقع في إيده الورقة دي اتقي الله في اليتامى.. البنتين دول مالهمش ذنب، أبوهم مات في الغربة، وأنا بموت.. وجوزي عايز يبيع البنت الصغيرة لبتوع الشحاتة.. اسألو عن جمعية…”

​لكن اللي صدم محمود وخلى الدم يهرب من وشه، هو الاسم اللي مكتوب في آخر الورقة كـ “جهة اتصال” أو حد الأم كانت بتستنجد بيه.. الاسم كان: “الست كريمة الشافعي”.. الله يرحمها.. مراته!

​المشهد السابع: تدابير إلهية

​محمود سِند على الحيطة، ودماغه بدأت تلف. “كريمة”؟ مراته الله يرحمها كانت رئيسة جمعية خيرية لكفالة اليتيم قبل ما تمرض، والظاهر إن أم البنات كانت مسجلة عندها أو طالبه مساعدتها قبل ما الدنيا تضلم في وشها.

​محمود بص للسما من شباك الطرقة، وحس بقشعريرة في جسمه كله. ربنا ممشاهوش في الشارع ده بالذات، ومخلهوش يسمع صوت شهقة أمل بالصدفة. دي مكنتش صدفة.. دي كانت أمانة “كريمة” اللي سابتها في الدنيا، وربنا بعتهالها لحد عنده عشان يصونها.

​نزل لمستوى أمل، وأخد الورقة حطها في جيبه، وبأيده التانية مسح تراب من على وشها وقالها بصوت مليان حنية وعزم: “أمل.. من النهار ده مفيش خوف، ومفيش جوز ماما، ومفيش شارع تاني أبداً.. أنتوا في حمايتي، وأختك ملك هتقوم بالسلامة وتلعب معاكي تاني”.

​البنت بكت، بس المرة دي كانت دموع راحة، دموع عيل صغير لقى ضهره بعد ما عاش بطوله في الساقعة.

​دخل محمود مع الممرضة لغرفة الطوارئ. “ملك” الصغيرة كانت بدأت تفتح عينيها ببطء، راكبلها كانيولا في إيدها الصغيرة، ووشها بدأ يرد فيه الدم تاني تحت الدفاية. أول ما شافت أمل، حاولت تبتسم وبوزت شفايفها كأنها بتناديلها. أمل جريت عليها وحضنت رجليها وهي بتعيط وتقول: “متموتيش وتسيبيني يا ملك.. عمو محمود هيقعدنا معاه ومش هنرجع الشارع تاني”.

​المشهد الثامن: عودة الروح

​الساعة بقت 3:45 العصر. محمود واقف في مكتب مدير المستشفى، ومعاه محامي الشركة اللي جابه في ثواني، وموظفة الشؤون الاجتماعية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *