حياة من ورق حكايات صافي هاني

محمود قال للدكتور وهو بيسلمها له بحرص: “طفلة عندها حوالي سنتين، فاقدة الوعي بس النبض موجود. احتمال جفاف، أو برد شديد، أو سوء تغذية. أختها بتقول إنها مصحيتش من الصبح، ومفيش معاهم حد كبير”.
الدكتور اتحرك بسرعة، والممرضة حطت غويشة البيانات البلاستيك حوالين إيد الطفلة الصغيرة. حد زعق يطلب محاليل أطفال، وحد تاني سأل أمل عن إسم الأخت.
أمل تنحت ومبقتش عارفة تتكلم.
همست: “ملك.. إسمها ملك”.
وبعدين بصت لمحمود وقالتله: “هو أنتوا هتاخدوا مني فلوس عشان عالجتوها؟”
محمود نزل على ركبه قدامها في طرقة المستشفى، تحت لوحة كبيرة متعلقة على الحيطة. حواليهم الممرضات بيتحركوا بسرعة، وصوت جزمهم السابوه بتزيق في الأرض، والملفات بتتقلب، وصوت أجهزة القياس بتصفر من ورا الستائر.
قالها: “لا يا أمل.. مش هتدفعي ولا مليم”.
”بس أنا قولتلك هشتغل وأسدملك”.
”عارف يا حبيبتي، وعارف إنك قد كلمتك”.
شفايف أمل اتهزت، وقالت: “أنا مابخلفش وعودي”.
محمود بص للبنت الصغيرة اللي كانت فاكرة إنها لازم تشتري دفنة لأختها، وبعدين تشتغل عشان ترد تمن الجميل.. ولأول مرة من تلات سنين، حس بحاجة تانية غير الوجع والكسرة.
مكانتش الفرحة.. ولا الراحة..
كان “الأمل” و”الهدف”.
الساعة 2:17 الظهر، موظف الاستقبال طبع ملف طوارئ باسم “ملك”. الساعة 2:23 الظهر، نزلت موظفة من الشؤون الاجتماعية معاها دفتر وأسئلة كتير. الساعة 2:29 الظهر، محمود مضى على أول إقرار بتحمل كل مصاريف العلاج، وطلب كل الأوراق اللي تضمن إن البنتين يفضلوا مع بعض في أمان لحد ما يلاقوا واصي قانوني عليهم.
مكنش يعرف وقتها إن الورق ده هياخده لقصة أكبر بكتير من مج
رد ممر ضيق في الشارع.
مكنش يعرف إن أمل كانت عايشة ومأكلة أختها ملك من بواقي أكل المحلات، ومية الحنفيات، ومغطياها ببطانية قديمة جابتها من مصبغة.
مكنش يعرف إن البنت الصغيرة دي شايلا ورقة مطوية جوة فردة جزمتها بقالها تلات أيام.
كل اللي كان يعرفه في اللحظة دي، إن الممرضة لسه خارجة حالا من ورا ستارة الطوارئ، وشها كان مخطوف، وماسكة تقرير التحاليل بتاع “ملك” ومخبياه عند صدرها.
وأول ما محمود شاف النظرة اللي في عينيها.. فهم إن إنقاذ حياة “ملك” مكانش النهاية.. دي كانت يدوب البداية.
المشهد السادس: الورقة المطوية
محمود حس بقلبه هيقف تاني. النظرة اللي في وش الممرضة رجعتله نفس الرعب بتاع يوم مستشفى “كريمة”. خطى ناحيتها بسرعة وسألها بصوت واطي ومكتوم: “في إيه يا أستاذة؟ البنت جرى لها حاجة؟”
الممرضة بلعت ريقها وبصت لأمل اللي كانت قاعدة على الكرسي، لافه نفسها بجاكيت محمود وعينيها مش بتفارق باب الطوارئ. الممرضة قربت من محمود وقالت بصوت همس: “الحمد لله لحقناها بالمحاليل ودفيناها، النبض بدأ ينضبط.. بس مش ده الموضوع يا فندم”.
فتحت الملف وطلعت منه أشعة وتقرير: “البنت الصغيرة عندها كسر قديم في كتفها ملمش صح، وفي كدمات في ضهرها مش بتاعة وقعة شارع.. دي آثار ضرب، وجوع بقاله أيام. البنتين دول مكنوش تائهين.. دول كانوا بيهربوا من حاجة”.


