حياة من ورق حكايات صافي هاني

 

المشهد الثاني عشر: الليلة الأولى والصباح الجديد

​مرت الليلة الأولى في بيت محمود وكأنها أول ليلة شتاء حقيقية يدخلها الدفء منذ ثلاث سنوات. لم يكن هناك صوت عقارب ساعة يطارد قلقه، ولا إيميلات عاجلة تجعله ينتفض من سريره. نام محمود نومًا عميقًا لم يذقه منذ وفاة “كريمة”، كأن الله وضع في صدره س*كينة لم تكن فيه من قبل.

​مع آذان الفجر، استيقظ محمود على صوت حركة خفيفة في الصالة. قام من سريره براحة وخرج ليرى ما الأمر.

​كانت “أمل” واقفة عند باب البلكونة الكبيرة المطلة على النيل، لافة نفسها باللحاف الدافئ، وباصة على أنوار القاهرة وهي بتبدأ تطفي مع أول خيوط النور بتاعة الصبح. أول ما سمعت خطواته، لفت وبصت له بخوف غريزي كأنها افتكرت للحظة إنها لسه في الشارع.

​محمود ابتسم وقالها بصوت حنين: “صاحية بدري ليه يا أمل؟ الجو ساقعة بره.. ادخلي يا بنتي”.

​أمل بلعت ريقها وقالت بصوت واطي: “كنت ببص على الشارع يا عمو.. كنت خايفة أصحى ألقى نفسي لسه قاعدة جنب صندوق الزبالة وأختي ساقعة في حضني.. كنت خايفة يكون كل ده حلم”.

​محمود قرب منها، ونزل على ركبتيه عشان يكون في مستوى عينيها، ومسك إيديها الصغيرة اللي بقت دافية: “ده مش حلم يا أمل. ده حقك وحق أختك عند ربنا.. والنهار ده بداية جديدة ليكم وليا”.

​البنت بصت في عينيه وسألته ببراءة الأطفال: “هو إحنا ينفع نصلي وندعي لماما وكريمة؟”

​محمود حس بقلبه بيتهز، ودموعه سبقت كلامه: “ينفع يا حبيبتي.. ينفع أوي. يلا نتوضأ ونصلي الفجر جماعة”.

​المشهد الثالث عشر: المواجهة الأخيرة

​الساعة بقت 10 الصبح. محمود لابس لبس كاجوال مريح، وقاعد في الصالة بيشرب قهوته وهو باصص لـ “ملك” الصغيرة وهي قاعدة في الأرض بتلعب بألعاب جديدة “أم أحمد” جابتها لها، وأمل قاعدة جنبها بتضحك من قلبها.

​فجأة، تليفون محمود رن. كان المحامي مدحت.

“أيوة يا مدحت.. في جديد؟”

​صوت مدحت كان مليان راحة وثقة: “كله تمام يا فندم. ‘سيد التربو’ اتقبض عليه الفجر في منطقة العتبة، وهو بيحاول يهرب بعد ما عرف إن المحضر اتقيد ضدة برقم جنائي. النيابة استجوبته، واعترف بكل حاجة.. وبالمعاملة اللي كان بيعاملها للبنات. هو دلوقتي محبوس 4 أيام على ذمة التحقيق، والموضوع قفل تماماً لصالحتنا”.

​محمود أخد نفس طويل: “والشؤون يا مدحت؟”

​مدحت: “اللجنة هتوصل عندك البيت كمان ساعة يا فندم، عشان يعاينوا المكان ويثبتوا إن البنات في بيئة آمنة وصحية، وبكده قرار الوصاية المؤقتة يتحول لوصاية كاملة وكفالة رسمية باسمك.. مبروك يا فندم، البنات بقوا ولادك قانوناً وشرعاً”.

​قفل محمود الخط، وبص للبنات. “ملك” سابت اللعبة وجريت عليه، مسكت في رجله ورفعت إيديها الصغيرة كأنها بتقوله “شيلني”. محمود شالها وضمها لصدره، وحس بريحة الأطفال الجميلة اللي مكنتش موجودة في بيته أبداً.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *