قسوة ام حكايات صافي هاني
“فكك مني، دول مش ولادي،” قالتها ببرود وهي بتسيب التوأم عند بوابة “جيم 19″ وبتطلع طيارة لرحلة ذهاب بدون عودة، ومش في دماغها إن في حوت من حيتان السوق، زعيم مافيا وملياردير، عينه عليها وشايف كل حاجة…
”متشغليش بالك،” قالتها الست وهي بتبتسم لموظفة البوابة بكل برود، كأنها بتشرحلها إن معاها شنطة زيادة مش أكتر. “دول مش ولادي.”
الطفلين سمعوها.
وده كان أقسى جزء في الموضوع كله.
الولد الصغير حضن بكل قوته دبدوب بني قديم ومتبهدل، عينه واحدة مخلوعة. البنت الصغيرة مبصتش للست دي خالص، كانت باصة لأخوها.. عشان كان لازم حد يبص عليه ويطمنه، وعشان في عالم الأطفال الخايفين المرعوبين، في قانون أول وبسيط: لو واحد مننا انهار، التاني لازم يمسك نفسه ويسنده.
مطار القاهرة الدولي كان قالب الدنيا زحمة ودوشة حواليهم.
الجو برة كان تكتكة ومطر مغرق قزاز صالة المطار طول بعد الظهر، وعلى بالليل المطار اتحول لخلية نحل ومكنة قلق مابتهمدش؛ مسافرين طياراتهم متأخرة، هدموم مبلولة، شنط سفر بتتحرك في كل حته، نداهات الطيران، شاشات بتنور وتطفي، قهوة مدلوقة في الأرض، وناس طافحة الكوتة وتعبانة لدرجة تخليهم مايلاحظوش مصيبة أي حد تاني إلا لو قفلت عليهم السكة.
الست اللي لابسة بالطو أوف وايت شيك مكنش باين عليها التعب خالص.
كان باين عليها العز والفلوس.
شعرها كان متظبط بالملي من غير مجهود، من النوع اللي بيتكلف الشئ الفلاني عشان يطلع بالبساطة دي. حلقان الألماظ في ودنها كانت بتبرق تحت إضاءة المطار. شنطها كلها طقم واحد غالي. وعلى بقها ابتسامة هادية ومرسومة بالمسطرة وهي بتقدم تذكرة الطيران للموظفة عند بوابة “جيم 19″.
وراها، كان في توأم عندهم خمس سنين، قاعدين على كرسى جلد أسود زي ما يكونوا شنطتين زيادة قررت ماتشحنهمش مع العفش.
الولد كان اسمه زين.
والبنت اسمها زينة.
نفس الشعر الفاتح، نفس العينين الرمادي، ونفس الوشوش الصغيرة الحذرة اللي الأطفال بيورثوها لما الدنيا تعلمهم بدري إن العياط والصريخ مابيجيبش نجدة من حد.
الست كان اسمها فانيسا، ورغم كده كانت حاجزة شقتها الجديدة في مارينا باسمها القديم قبل الجواز.
”يا فندم،” الموظفة قالتها وهي بتبص للتوأم. “دول مسافرين مع حضرتك؟”
فانيسا ضحكت ضحكة خفيفة كدة.
“لأ، دول مستنيين حد.”
زين رفع عينه بصلها.
زينة حركت إيدها بسرعة ومسكت معصم أخوها.
الموظفة ترددت: “في حد هيقابلهم هنا؟”
”أكيد طبعاً،” فانيسا نزلت النضارة الشمس على عينها رغم إن الصالة مفيهاش شمس أصلاً. “جدتهم.. أو عمتهم.. بصراحة مش متأكدة، أهل أبوهم بيموتوا في الدراما.”
صوابع زينة اتفلت أكتر على إيد زين.
جدتهم عايشة في أسوان.
وعمتهم ماتت من زمان.
وأبوهم لسه مدفون من يدوب حداشر أسبوع.
بس فانيسا كانت خلاص أدتهم ضهرها.
“خليكوا عاقلين،” قالتها وهي باصة للهوا اللي بينهم مش ليهم هما بالذات. “ومش عاية فضايلح.”

