الحقيقه المؤلمه حكايات صافي هاني

حطّت حبّة في كاس العصير بتاع العريس يوم فرحهم، وهي بتبتسم وثقتها في نفسها في السما كأنها كسبت الحرب خلاص. مفيش ولا مخلوق خد باله – لحد ما الشغالة دبت فيها الروح فجأة وطلعت جريت وكسرت الكاس في الأرض. المزيكا وقفت في ثانية. المعازيم كلهم اتسمروا مكانهم. بعد كده مسكت الريموت وإيديها بتترعش من الخوف وقالت: “لازم الكل يشوف ده.”

​ريحة الورد الأبيض المالي المكان كانت خنقة ومغطية على القصر كله، جزيرة خاصة ريحتها فلوس وورث قديم.. وخيانة لسه طازة. كنت واقف عند المذبح، وبصص في عيون مريم، ست جمالها يعمي لدرجة تخليك متشوفش الحرباية اللي مستخبية تحت فستان الحرير.

​همستلها وصوتي مليان دفا مزيف: “كنت فاكر إني بتتجوز نصي التاني”. مريم عدلتلي الكرافتة الحرير، وصوابعها لمست رقبتي.. لمسة المفروض تكون حنينة، بس حسيتها كأنها بتاخد مقاس كفني. ابتسمت ضحكتها المنورة اللي بتدوب الحجر، الضحكة اللي نزلت على غلاف ميت مجلة، وهي مش دريانة خالص إن عالمها كله هينتهي قدام شاشات التلفزيون بعد ثواني.

​المعازيم كانوا تشكيلة من أتقل ناس في البلد وعمالقة التكنولوجيا والمسؤولين, كلهم قاعدين على كراسي دهب بيشهدوا على “فرح القرن”. عشت تلات سنين فاكر إني لقيت معاها حضن أمان بعد سنين من حروب الشغل والشركات. مريم عملت دور الملاك الحنين بامتياز، ورسمت شخصية مقدرتش أقاومها.

​قالتلي بصوت زي السلك الحرير: “في صحتنا يا جرجس”.

​اتحركنا ناحية التربيزة عشان نشرب أول كاس. دي كانت طقوسها، وأصرت نشرب في كاسات كريستال أثرية من ورث العيلة. لمحت إيدها وهي بتحرك بخفة زي رقاصين الباليه. وهي بتمسك كاسي، صباعها الإبهام لمس الحافة.. وفجأة حباية صغيرة شفافة دابت وسط فقاقيع العصير الفريش. حباية ملهاش لا لون ولا ريحة ومفعولها في ثانية.

​مديت إيدي ومسكت الكاس الساقع. العصير كان بيلمع زي الذهب تحت الشمس. ولمحت بطرف عيني هناء، الشغالة الغلبانة اللي كانت زي السرداب في البيت بقالها شهور. وقفت فجأة وهي بتصب للتربيزة اللي جنبنا، وعينيها متثبتة على إيدي ومنزلتش من عليها.

​قربت الكاس من شفايفي، ولمس جلدي خلاص. كنت خلاص هحس بطعم العصير الغالي.. مع طعم الموت المعدني اللي مستنيني جوه. مريم كانت بتراقبني وعينيها بتلمع بدموع الفرح المزيفة، بس أنا كنت شايف الغدر والغل المستخبي جوة عينيها.

​ميلت الكاس خلاص، والسائل قرب من بوقي. وقبل ما أول نقطة تلمس لساني، صوت عالي كسر هدوء القاعة. صينية فضة تقيلة اتهبدت على الأرض الرخام على بعد سنتيمترات من رجلي.

​إيدي اتهزت، ونقطتين من العصير المسموم وقعوا على بدلي البيضا. وقبل ما ألتفت حتى وأنا متضايق، لقيت إيد خشنة وقوية وبتتحرك بسرعة البرق، لطشت كاس الكريستال من إيدي طيرته في الأرض.

 

الكل بص على هناء وهي واقفة بتنهج، صدرها بيعلو ويهبط من الخوف، والشرار بيطلع من عيون مريم اللي كانت هتاكلها صاحية. لسه مريم هتفتح بوقها وتزعق وتطلب الأمن يرموها بره، هناء سبقتها ورفعت الريموت في اليد اللي بتترعش وضغطت على زرار الماستر.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *