الحقيقه المؤلمه حكايات صافي هاني

الظباط أخدوا مريم وخرجوا، وصوت صريخها كان بيبعد بالتدريج لحد ما اختفى تماماً ورا بوابات عقار ثورن. القاعة اللي كانت من شوية مليانة زحمة وهيلمان بقت فاضية ومفيهاش غير كراسي مقلوبة، وريحة الورد الأبيض اللي كانت خانقاني اتحولت لراحة نفسية غريبة، كأن المكان بيفوق من كابوس.
طلعت بره على الرصيف، الهوا الساقع بتاع البحر ضرب في وشي. لمحت من بعيد عربيات البوكس وهي بتتحرك وتختفي وسط الضباب، ومعاها اختفت أسوأ تلات سنين في حياتي.
طلعت موبايلي من جيبي، الشاشة كانت منورة بآلاف الإشعارات؛ الأخبار نزلت ك الصاعقة على كل المواقع: “القبض على مريم فانس ليلة زفافها بتهمة محاولة قت*ل العريس”. أسهم شركاتها كانت بتنزل الأرض في ثواني، والإمبراطورية اللي بنيتها بفلوس غدرها كانت بتهد قدام عيني وأنا واقف مكاني مابتتحركش فيا شعرة.
فجأة، سمعت خطوت رجل ورايا. التفت ورايا لقيت هناء خارجة، لسه متبهدلة ولابسة لبس الشغل، باصة للأرض وبتفرك في إيديها بتوتر.
وقفت قدامها وابتسمت: “خايفة من إيه يا هناء؟ خلاص، كله خلص.”
رفعت عينيها وبصتلي بخوف: “أنا كنت مرعوبة يا جرجس بيه.. للحظة افتكرت أني مش هلحق الكاس، والسم يلمس شفايفك.”
ضحكت بهدوء وقولتلها: “أنا كنت مراقبها من كاميرات الموبايل وهي بتحط الحباية، وعارف أنك واقفة ومستنية الإشارة.. بس الصراحة، دخلتك بالصينية كانت سينما.”
طلعت من جيبي شيك بمبلغ يضمن ليها ولعيالها عيشة ملوك، وحطيته في إيدها: “ده حق تعبك وخوفك معايا الست شهور اللي فاتوا. وبكرة الصبح، تروحي مقر الشركة الرئيسي، مكتب السكرتارية الخاص بيا مستنيكي.. مفيش شغل بيوت تاني.”
دموعها نزلت وهي مش مصدقة، وشكرتني ومشت وهي بتدعيلي.
فضلت واقف لوحدي على الجزيرة، باصص للبحر الواسع. ركبت عربيتي، ودورت الموتور. وأنا بلف الدريكسيون عشان أمشي، بصيت في المراية وجت عيني على بقعة العصير الصغيرة اللي على بدلي البيضا.. نفضتها بإيدي للمرة الأخيرة، ودست بنزين وأنا بسيب ورايا الماضي كله، ورايح لمستقبل أنا اللي هكتب شروطه بنفسي.
الطريق كان فاضي تماماً، وصوت الموتور كان الحاجه الوحيدة اللي بتكسر السكوت اللي حواليا. الهوا اللي داخل من شباك العربية كان بيغسل من جوايا كل قرف السنين اللي فاتت. موبايلي مكنش بيبطل رن، أسماء تقيلة في السوق ورجال أعمال ومذيعين برامج توك شو.. كلهم عاوزين يعرفوا إيه اللي حصل، بس أنا عملت التليفون “صامت” ورميته على الكرسي اللي جنبي. مش وقته، أنا دلوقتي مش عاوز اسمع غير صوت نفسي.
وصلت شقتي القديمة على النيل، الشقة اللي مريم مكنتش بتحبها وبتقول عليها “متليقش بمقامنا”. دخلت، رميت مفاتيحي وجاكت البدلة اللي اتبهدل عصير، ووقفت في البلكونة وبصيت على النيل وهو هادي في قمة الليل.
سألت نفسي: “أنا خسرت إيه؟”




