ام تنقذ بنتها حكايات صافي هاني

“سيادة المستشار.. التقرير الطبي الشرعي بيثبت وجود كدمات وسحجات، بالإضافة للحالة النفسية السيئة نتيجة الاحتجاز. والرسائل والتهديدات الصوتية اللي بعتوها على تليفون بنتي القديم كلها متفرغة وجاهزة في حرز رسمي.”
وكيل النيابة هز راسه بجدية: “تمام يا فندم. التهم ثابتة، وتم إصدار قرار بحبس المتهمين إياد وباهر زهران 4 أيام على ذمة التحقيق، وإخلاء سبيل السيدة ماجدة زهران بكفالة مالية ضخمة على ذمة قضية الابتزاز، مع منع الثلاثة من السفر والتحفظ على أموالهم لحين انتهاء تحقيقات الرقابة الإدارية.”
كلمة “التحفظ على الأموال” نزلت على ماجدة زي الصاعقة. حطت إيدها على قلبها ووقعت على الكرسي وهي بتصرخ: “شقا عمرنا ضاع.. ضيعتينا يا فايزة!”
قربت منها، وقفت فوق راسها بالظبط، وقلت لها بصوت واطي وواضح:
“شقا عمرك ضاع عشان بنتي دموعها غالية.. إنتي قلتي لي إن رتبتي مش هتخوفك.. وأنا أثبتلك إن رتبتي مش عشان أخوفك بيها، رتبتي عشان أجيب بيها حق المظلوم من عيون الظالم. اشربي بقى من نفس الكأس.”
لفيت ضهري وخرجت من المكتب، وصوت بيادتي العسكرية بيرن في الممر، وورانا صوت عياطهم وندمهم اللي جه متأخر قوي.
رجعت البيت، فتحت باب أوضة أمل.. لقيتها قاعدة في السرير، الشمس داخلة من الشباك ومنورة وشها، ولأول مرة من سنة كاملة.. شوفت ضحكتها الصافية الحقيقية وهي بتقولي: “حمد الله على السلامة يا سيادة اللواء.. يا أحلى وأقوى أم في الدنيا.”
ابتسمت، وأخدتها في حضني وأنا عارفة إن الدرس انتهى.. وإن عيلة زهران مش مجرد خسرت قضية، دول اتعلموا بالطريقة الصعبة إن في أمهات.. الغلط معاهم بيمحي عائلات من الخريطة.
عدى أسبوع كامل على اليوم ده.
أسبوع كانت الأخبار فيه في كل مكان بتتكلم عن سقوط “إمبراطورية زهران”. الجرايد وبرامج التوك شو مكنش وراهم غير قضية حبس رجالة العيلة، والتحقيقات اللي كشفت بلاوي تانية تشيب الراس؛ من تهرب ضريبي لصفقات مشبوهة، وكله تحت غطاء “النفوذ” اللي انهار في ثواني قدام كلمة “قانون”.
في الصالون عندنا، كانت أمل قاعدة ووشها بدأ يرد فيه الدم والنور تاني. المحامي بتاعنا كان قاعد قدامنا وحاطط ورقة على الترابيزة.
”سيادة اللواء، دي قسيمة الطلاق.. طلاق رسمي بائن، وبكل الحقوق والمؤخر والتعويض اللي حكمت بيه المحكمة إجبارياً بعد ما ثبت الضرر والاعتداء.”
أمل بصت للورقة، ودمعة واحدة نزلت من عينها، بس المرة دي مكنتش دمعة قهر.. كانت دمعة حرية. رفعت راسها وبصتلي: “أنا مش مصدقة يا ماما.. أنا كنت فاكرة إني هفضل محبوسة في الكابوس ده طول عمري.”
طبطبت على كتفها وقلت لها: “مفيش كابوس بيقعد يا قلب أمك، طول ما في رب اسمه العدل، وطول ما ضهرك فيه أم مبتخافش غير من اللي خلقها.”
في نفس اليوم بالليل، تليفوني رن. الرقم كان غريب بس خمنت مين اللي بيتصل. فتحت الخط وجالي صوت “ماجدة زهران”.



