ام تنقذ بنتها حكايات صافي هاني

وفي يوم من الأيام..
كنت قاعدة في مكتبي بالقيادة العسكرية، براجع تقارير مأمورية جديدة، لما الباب خبط ودخل سكرتير المكتب وضرب التحية: “تمام يا فندم.. بشمهندسة أمل بره وعايزة تدخل لمعاليكي.”
ابتسمت وقلت له: “خليها تدخل فوراً.”
دخلت أمل وهي شايلة في إيدها لوحة هندسية كبيرة ومُجسم لـ مشروع جديد. ملامحها كانت فخر وعزة. حطت الحاجه على المكتت وقالت لي وعينها بتلمع:
“ماما.. أنا كسبت مناقصة تصميم الحي الإداري الجديد للوزارات. المشروع ده كان داخل فيه شركات كبيرة جداً، وبمجهودي وشغلي وتصميمي.. أنا اللي أخدته!”
قمت من ورا مكتبي، وقفت قدامها وبصيت للوحة، وبعدين بصيت في وشها. أخدتها في حضني طويل قوي، حضن حسيت فيه إن رسالتي كأم كملت على أكمل وجه.
فكت الحضن وبصت للأوسمة اللي على صدري وقالت برقة: “أنا عارفة إن الأوسمة دي أخدتيها عشان بطولاتك في الجيش.. بس بالنسبة لي، إنتي تستاهلي وسام الشرف الأعلى في الأمومة.”
قلت لها وأنا بمسح دمعة فخر نزلت من عيني بسرعة عشان هيبة البدلة: “وسامي الحقيقي يا أمل.. هو إني أشوفك
واقفة على رجليكي، قوية، وناجحة، ومش خايفة من حد. البدلة دي أنا هقلعها لما أطلع معاش قريب.. بس هيبتك إنتي وشرفك هيفضلوا عايشين العمر كله.”
مسكنا إيد بعض وخرجنا من المكتب، وأنا حاسة براحة نفسية مفيش بعدها. علمت بنتي إن القوة مش بالفلوس ولا بالصوت العالي.. القوة بالحق، والنزاهة، وبإنك متطاطيش راسك لمخلوق طول ما إنتي على حق.
قصتنا مكنتش مجرد قصة انتقام.. دي كانت قصة استرداد كرامة، ودرس قاسي لكل ظالم فاكر إن ملوش رادع، كتبته “الأم اللواء” ببيادتها العسكرية على وشوش اللي داسوا على قلب بنتها.
مرت السنتين اللي فاضلين لي في الخدمة العسكرية كلمح البصر.
جه اليوم اللي كنت مستنياه وبخاف منه في نفس الوقت.. يوم حفل إحالتي للتقاعد (المعاش) بعد رحلة طويلة من الشرف والخدمة في القوات المسلحة. القاعة الكبيرة في وزارة الدفاع كانت مليانة قيادات وضباط من كل الأسلحة، والكل واقف بيصقف احتفالاً بمسيرتي.
قفت على المنصة بكامل هيبتي العسكرية لأخر مرة، ألقيت كلمتي ووجهت التحية لزمايلي وعساكري. وفي قاعة الحضور، كانت عيني مثبتة على أمل.. اللي كانت قاعدة في أول صف، بتصقف وعيونها مليانة دموع فخر، وجنبها مهندس شاب محترم وطيب، ربنا عوضها بيه وبقى شريك حياتها وبيقدر قيمتها بجد.
لما نزلت من على المنصة، أمل جريت عليا وأخدتني في حضنها وقالت لي وهي بتهمس: “مبروك يا سيادة اللواء.. أديتي الرسالة في الخدمة، ودلوقتي جه وقت ترتاحي في حضني.”
بعد مرور فترة..
في يوم جمعة هادي، كنت قاعدة في جنينة بيتنا الجديد، لابسة هدوم مدنية مريحة، وبشرب قهوتي الصبح وأنا بقرأ الجرنان. في صفحة الحوادث والقضايا، عيني لمحت خبر صغير في الركن:




