ام تنقذ بنتها حكايات صافي هاني

صوتها كان رايح، مكسور، ومفيهوش نبرة التناكة والتعالي بتاعة زمان. كانت بتعيط وبتتكلم بنهجان:
“فايزة هانم.. أرجوكي.. أنا بكلمك كأم لأم. إياد وباهر اتجدد لهم حبس 15 يوم، والشركات كلها اتقفلت والبنك حجز على أرصدتنا.. إحنا بنتدمر.. أبوس إيدك كفاية كده، إحنا خسرنا كل حاجة.. بنتك اتطلقت وأخدت كل اللي عايزاه، سيبيلنا الباقي نعيش بيه.”
سكتّ ثانية، وسمعت صوت شهقاتها وهي مستنية مني كلمة رحمة. أخدت نفس هادي وقلت لها:
“إنتي بتكلميني كأم لأم يا ماجدة؟.. طب فين مشاعر الأمومة دي لما بنتي كانت بتستغيث بيكي وإنتي بتبتسمي في وشها وتقولي لها ‘وقعت لوحدها’؟ فين الإنسانية لما سبتي ابنك يمد إيده عليها ويحبسها ويحرمها من تليفونها؟”
اتنهدت وكملت بجمود: “إنتي مش بتعيطي ندم على اللي عملتوه في بنتي.. إنتي بتعيطي على الفلوس والمنظرة والجاه اللي راحوا منك. وأنا مبرجعش في معركة بدأتها.. القانون هياخد مجراه لآخر خطوة، واحمدي ربنا إن القضاء عندنا عادل ومش بيظلم حد.. اللي هتحصدوه هو اللي زرعتوه بإيديكم.”
وقبل ما تنطق بكلمة تانية، قفلت السكة في وشها.
تاني يوم الصبح، كنت لابسة لبسي الميري بالكامل، وواقفة قدام المراية بعدل الياقة والأوسمة. بصيت لملامحي.. ملامح ست شافت كتير، بس عمرها ما انكسرت.
أمل دخلت عليا الأوضة، كانت لابسة فستان بسيط وجميل، ورجعت تحط ضحكتها اللي بتنور البيت على وشها. قربت مني وظبطت لي الكاب العسكري على راسي وقالت لي بفخر: “جاهزة يا سيادة اللواء؟”
ابتسمت لها وقلت: “جاهزة يا قلب سيادة اللواء.. يلا بينا.”
خرجنا مع بعض، ركبنا العربية، وأنا عارفة إننا قفلنا الصفحة دي للأبد. عيلة زهران بقوا مجرد درس وعبرة لكل حد يفتكر إن فلوسه تخمّي عين الحق، وأنا رجعت لحياتي وشغلي، بس بأكبر انتصار حققته في دنيتي كلها.. إن حتة من قلبي رجعت لحضني، سالمة، ورافعة راسها فوق.
مرت الشهور، وبقت القضية دي حديث مجتمع المال والأعمال في مصر، والكل بقوا يضربوا المثل بنهاية “عيلة زهران” اللي افتكروا إن نفوذهم ملوش سقف. المحكمة العسكرية والمدنية كملوا شغلهم بكل نزاهة؛ “إياد” و”باهر” أخدوا أحكام بالسجن المشدد بتهم الاحتجاز والابتزاز والتربح غير المشروع، والشركات الكبيرة بتاعتهم دخلت تحت الحراسة القضائية لتسديد أموال الدولة.
أما “ماجدة زهران”، فالناس شافوها أكتر من مرة قاعدة على رصيف المحكمة، بعباية سودا سادة ومن غير أي ألماظ أو براندات، مستنية زيارة ولادها في السجن.. والكسرة اللي في عينها كانت تمن كل لحظة غرور عاشتها.
في الناحية التانية، الحياة رجعت تنبض من جديد في بيتنا.
أمل ملقعتش في مكانها؛ بالعكس، الصدمة خلتها أقوى. بدأت ترجع لشغلها القديم في مجال الديكور، وأسست مكتب صغير خاص بيها. كانت بتنزل من النجمة، ملامحها مليانة حيوية، وعينها فيها لمعة تحدي ونجاح مكنتش موجودة زمان. أمل اتعلمت من أمها إن الضربات اللي متموتش.. بتصنع أبطال.


