عزومة العيله حكايات صافي هاني

​أول ما وصلنا بيت أهلي، ودخلت أوضتي القديمة، قعدت على السرير وبصيت حواليا. نفس الألوان، نفس التفاصيل اللي سبتها من تلات سنين عشان أروح لواحد عيشتني معاه في وهم.. تلات سنين وهو بيقنعني إن العيب فيا، إنني طماعة، وإن طلبي للاحترام قلة أدب.

​تليفوني مكنش بيبطل رن.

شريف.. شريف.. شريف.

وبعدين رسايل ورا رسايل: “يا جيهان ردي عليا”، “فهمي أبوكي إن الموضوع سوء تفاهم”، “إحنا بيتخرب بيتنا، المحل لو اتقفل مش هعرف أقوم تاني!”

​مسحت الرسايل وعملت له “بلوك” من كل حتة. نمت الليلة دي لأول مرة من سنين وأنا مش شايلة هم بكره، ولا بفكر هداري إهانة إيه ولا هصرف من جيبي على إيه.

​صحي الصبح على صوت حركة غريبة بره البيت.

طلعت البلكونة، ولمحت ونش المرور واقف قدام باب الفيلا، وبيصلي العربية الهوندا السيفيك بتاعتي. نزلت جري، لقيت محامي أبويا واقف ومعاه المحضر، وبيسلم أبويا مفاتيح العربية والورق الرسمي بعد ما اتفكت من الحجز التحفظي لأنها ببساطة.. باسمي أنا، ومفيش مخلوق قانوناً يقدر يلمسها بسبب ديون شريف وأبوه.

​أبويا بص لي وحدف لي المفاتيح وهو يبتسم:

“عربيتك رجعت لك يا جيهان.. نضيفة وزي الفل ومفيش مخلوق هيركبها غيرك.”

​أنا ميرضنيش الخراب، وعمري ما كنت أحب أشوف حد مكسور، بس شريف وأهله مستحقوش مني نقطة دموع واحدة زيادة. في نفس اليوم، محامي أبويا بدأ إجراءات رفع قضية طلاق للضرر، ومعاها قضية “تبديد منقولات” وقضايا تانية بكل مليم دخل جيبه من فلوسي.

​بعد أسبوعين بالظبط، عرفت من قرايبنا إن المعرض بتاعهم اتقفل تماماً وباعوا الأرض اللي حيلتهم عشان يسددوا ديون الموردين اللي أبويا رفع غطاه عنهم. وشريف؟ شريف اللي كان بيتفشخر بساعته وقناعه الكداب، بقى بيلف على المكاتب يدور على أي وظيفة بمرتب ثابت عشان بس يعرف يدفع إيجار الشقة اللي بقوا قاعدين فيها بعد ما البيت اتقلب.

​النهاردة، وأنا دورت عربيتي الهوندا وكنت رايحة شغلي، بصيت لنفسي في المراية وابتسمت. افتكرت يوم التاكسي.. واكتشفت إن السؤال اللي أبويا سألهوني مكنش عشان يخنقني، ده كان أول خطوة عشان يرجع لي روحي اللي كانت بتتسحب مني في صمت.

مرت شهور على اليوم ده، حياتي رجعت لترتيبها الصح، وكل حاجة خدت حجمها الطبيعي. الشروخ اللي شريف سابها في نفسي بدأت تِلم، مش بالنسيان، بس بالنجاح والراحة اللي كنت عايشاها في وسط أهلي.

​المحكمة حكمت لي بالطلاق للضرر، وبكل حقوقي القانونية والمادية والمؤخر. شريف حاول بكل الطرق، وعن طريق ناس وسيطة، إنه يطلب “الصلح” أو إنه حتى يتنازل عن الشقة ومحتوياتها في مقابل إن أبويا يسحب القضايا اللي رافعينها الموردين عليه وعلى أبوه.. بس رد أبويا كان كلمة واحدة: “بنتي مش للبيع ولا للمساومة، واللي اتقفل بالحق والقانون مبيفتحوش التراضي.”

​في يوم كنت واقفة في إشارة عربيتي، الجو كان زحمة جداً والمطر خفيف. بصيت جنبي بالصدفة، لمحت واحد واقف على الرصيف، شايل شنطة جلد قديمة ومستني الميكروباص.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *