عزومة العيله حكايات صافي هاني

​السكون اللي حل على التربيزة كان أرعب من صوت الصريخ نفسه.

شريف وشه قلب ألوان، الدورة الدموية هربت من عروقه وبقى لونه أصفر زي الليمونة. بص لأمه في التليفون وهو مش قادر ينطق: “ديون إيه؟ أنا ماليش ديون عند حد.. الشغل ده ماشي بقاله سنين!”

​هنا.. أبويا مسح بوقه بالمنديل بكل هدوء.

حط المنديل على التربيزة، وسند بضهره لورا، وبص لشريف بنفس الابتسامة الصغيرة الهادية اللي ابتسمها من شوية.

​أبويا اتكلم بصوت واطي، بس كان مسموع لكل خرم إبرة في الصالة:

“التجارة صفقات وعلاقات برضه يا شريف.. مش ده كلامك من دقيقة؟”

​شريف بص لأبويا وهو مبرق، والتليفون لسه في إيده بيطلع منه صوت عياط أمه: “يا حاج.. هو أنت..؟”

​أبويا كمل بكلام زي الرصاص:

“أنا لما جبت لبنتي العربية، جبتها باسمها، وحقها محفوظ. ولما سألتها جيتي في تاكسي ليه، كنت مستني أشوف هتقول إيه.. بس أنت نطقت ووضحت لي إنك مش بس قليل الأصل، لا، وأعمى كمان. فاكر إن اللقمة الشبعانة اللي أنت بتاكلها دي من شطارتك؟”

​أبويا طلع تليفونه وحطه على التربيزة:

“الموردين اللي بيمشوا لك المحل والمعرض بتاع أبوك، والشركات اللي بتديك بضاعة بالتسهيلات وبضمان اسمي، أنا اللي كنت ساندهم. والكمبيالات المتأخرة اللي كنت بطلب منهم يصبروا عليك فيها عشان خاطر بنتي، أنا لسه حالا باعت لهم رسالة.. قولت لهم (كل واحد يدور على حقه، والغطا ارفع).”

​شريف وقف على حيله، ركبه كانت بتخبط في بعضها، وبدأ يقطع في الكلام:

“يا عمي.. أنا.. أنا كنت فاكر.. يعني أمي كانت محتاجة..”

​”أنت تخرس خالص.”

أبويا قالها بنبرة حاسمة خلت شريف يتسمر في مكانه.

​أبويا التفت ليا، وعيونه كانت مليانة حنية وفخر، ومسح على إيدي وقال:

“قومي يا جيهان.. لمي حاجتك من بيته. العربية السيفيك هترجع لك لحد باب بيتي الصبح بالقانون، والهدوم والساعة اللي هو لابسهم من فلوسك، سيبيهم له صدقة عشان لما يقابل بيهم الديانة بكره يبقى شكله مهندم وهو بيتسحب.”

​بصيت لشريف.. الراجل اللي بقاله تلات سنين مخليني أحس إنني نكدية ومفترية، الراجل اللي كان من خمس دقائق بياكل ببرود كأنه ملك العالم.. كان واقف قدامي دلوقتي مكسور، صغير، وعريان من كل مظاهر الفشخرة الكدابة اللي عاش فيها على قفايا.

​وقفت، رفعت راسي، وبصيت له بكل قرف، وقولت له:

“أمي كانت محتاجة لها أكتر.. مش كده يا شريف؟ اهي راحت لأمك.. بالونش.”

​مشيت ورا أبويا وأنا حاسة إن النفس اللي اتكتم في صدري بقاله سنين رجع لي فجأة، وإن الباب اللي اتقفل ورايا ملوش رجوع تاني أبداً.

ركبت العربية جنب أبويا في الكرسي القدامي، وأخويا ساق بينا. طول الطريق محدش فينا نطق كلمة، بس الصمت المرة دي مكنش تقيل ولا بيخنق؛ كان صمت مريح، شبه الهدوء اللي بيجي بعد عاصفة قوية نظفت الجو. كنت ببعد عن بيت شريف بكل ثانية، وحاسة إن في جبل كان متشال فوق كتافي وبيقع حتة حتة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *