عزومة العيله حكايات صافي هاني

​ومع ذلك، وبطريقة ما، بقاله تلات سنين مخليني أحس إنني أنا اللي نكدية ومشكلوجية، وإن مطالبتي بأبسط حقوقي واحترامي هي طلبات مش منطقية ومبالغ فيها.

​أبويا صوته معليش.

​مخبطش على التربيزة.

​معملش مشكلة ولا لم الناس.

​هو بس بص لشريف نظرة فاحصة.

​وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة هادية ومكتومة.

​وقال: “تمام.. فهمت”.

​مقالش كلمة زيادة.

​شريف لم عضلاته واسترخى في قعدته على طول، وافتكر إنه كده انتصر وكسر كلامي.

​شفت ده في الطريقة اللي فرد بيها ضهره لورا، وكتافه اللي هديت، والثقة العمياء بتاعة واحد فاكر إنه لسه سايق ومسيطر على كل حاجة.

​وفي اللحظة دي بالذات لمحتها —

​إضاءة زرقا خفيفة طالعة من تحت التربيزة.

​أبويا كان مطلع تليفونه.

​مبصش لفوق، ومطقش بولا كلمة. كتب حاجة بسرعة، في صمت… وكأنه بيعمل حاجة عادية جداً.

​وبعدين شال التليفون وفضل يكمل أكل.

​ولأول مرة من فترة طويلة —

​حسيت بحاجة مكنتش حساها بقالي سنين.

​حسيت بالأمل.

​الناس اللي قاعدة حاولت تفتح كلام وتغير الموضوع، بس الجو العام كان خلاص اتقلب. الأصوات وطيت، والعيون بقت تتهرب من عيني، حتى ابن عمي مابقاش يضحك على نكت شريف البايخة.

​الوش القناع اخلع والكل فهم.

​أنا ملمستش طبق الحلو بتاعي.

​في الوقت ده، شريف فضل يتكلم ويهري — عن صفقات وتجارة، وخطط، وعلاقات — وهو مغيب تماماً ومش حاسس باللي حواليه.

​لحد ما تليفونه رن.

​طلعه من جيبه، بص على الشاشة، وضحك بملء بوقه.

​وقال بفخر وشماتة: “دي أمي اللي بتتصل”.

​بطني اتكتمت ونفسي ضاق.

​مكنتش عارفة في إيه…

​… بس كان عندي إحساس قوي إن كل حاجة على وشك تتشقلب حالا.

شريف فتح الخط بسرعة، وحط التليفون على ودنه وهو لسه فارد ضهره، والابتسامة الواثقة مالية وشه. فتح مكبر الصوت عشان الكل يسمع، كأنه عايز يثبت لأبويا وللقاعدين كلهم إن “أمه” طايرة من الفرحة بالعربية الجديدة، وإن تصرفه كان الصح.

​”أيوة يا أمي! بشري، العربية عجبتك؟” قالها بصوت عالي ومتباهي.

​بس الصوت اللي جه من الناحية التانية مكنش صوت فرحة خالص. كان صوت صريخ، ونفس مقطوع، وعياط منهار:

“الحقني يا شريف! شقا عمرنا ضاع! البيت اتقلب واقوافل الشرطة واقفة تحت المحل.. والرجالة دخلوا علينا البيت حجزوا على كل حاجة!”

​الابتسامة اتجمدت على وش شريف. ضهره اللي كان مفرود اتقوس فجأة، وكبيته اللي كان ماسكها ببرود هزت في إيده:

“حجز إيه يا أمي؟ محيط إيه؟ ومحل إيه اللي اتقفل؟!”

​أمه ردت بصوت مرعوب وبكاء هستيري:

“المعرض والمخزن بتاع أبوك.. جم بورق رسمي وتنفيذ أحكام وقفلوا كل حاجة بالشمع الأحمر! وبيقولوا الشيكات اللي كنت ضامن فيها أبوك والكمبيالات القديمة كلها اتجمعت وراحت النيابة.. ويا فندم حتى العربية الهوندا اللي لسه جايبهالي، لسه نازلة حالا من على الكوريك، الونش جه سحبها قدام الجيران كلهم وقالوا إن عليها حظر بيع وحجز تحفظي بسبب ديونك وديون أبوك للموردين!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *