ولدت وحدي حكايات صافي هاني

ولدّت بنتي وما كانش في مخلوق جنبي — وبعدها بكام ساعة بس، أمي بعتتلي رسالة بتقول فيها: “عيال أختك عايزين تليفونات جديدة. ابعتي 2000 دولار.” ما ردتش عليها. بس بعد أسبوع، لقيتها واقفة على باب بيتي بتزعق وتقول: “جرى لك إيه؟ مالك؟” … وفي اللحظة دي بالظبط، في حاجة جوايا انكسرت للأبد.
ولدت بنتي لوحدي في بعد ضهر يوم خميس كئيب ومغيم جوة مستشفى أوك ريدج العسكري، ولمبات الفلورسنت فوق راسي عمالة تزن من غير ما تفصل. جوزي “كالب” كان يخدم في مكان بعيد عني بحوالي ألف ميل في مأمورية تدريب إجباري ما ينفعش يسيبها، عشان كده ما كانش في أي مشهد عائلي درامي مستنيني في أوضة الولادة. ما كانش في إيد حنينة تطبطب عليا، ولا قرايب متجمعين حواليا، ما فيش غير ممرضات هلكانين من الشغل بيبدلوا مع بعض، و14 ساعة من الوجع والطلق القاسي قبل ما يحطوا بنتي الصغيرة على صدري أخيرًا.
سميتها “هايزل”.
لكام دقيقة كده، كل حاجة حواليا كانت هادية والسلام مالي المكان. كنت نايمة ببص لوشها الصغير ودوشة المستشفى بدأت تتلاشى في الخلفية، ولأول مرة من شهور طويلة، حسيت إن عقلي ريح وبالي هدي.
بعدها مديت إيدي ومسكت التليفون.
كان في رسائل من زمايلي في الوحدة، وتهنئة قصيرة من القائد بتاعي، وفيديو مهزوز من “كالب” بيعتذر لي إنه مش جنبي وبيقولي إنه بيحبني. بعد كده فتحت رسالة أمي.
”عيال بيني عايزين تليفونات جديدة لعيد ميلادهم. ابعتيلي 2000 دولار الليلة دي قبل ما العرض يخلص.”
هي دي كانت الرسالة كلها.
لا “مبروك”. لا سؤال عن الولادة أو قمت بالسلامة ولا لأ. مفيش أي إحساس إني لسه جايبة طفلة للدنيا حالا. مجرد طلب تاني جاي بصيغة أمر مستعجل.
قريت الرسالة مرتين، مش عشان مش فاهماها، لا، عشان كان في جزء جوايا لسه عشمام وطمعان إني أكون قريت غلط. بس للأسف، الكلام كان طالع بالظبط زي كل رسالة أمي “مارثا” بتبعتها من سنين كل ما أختي الكبيرة “بيني” تغرق في مصيبة جديدة.
دايماً كان في مصيبة.
إيجار بيت. تصليح عربية. مصاريف مدارس. هدايا أعياد. أجهزة باظت. فواتير متأخرة. “بيني” عندها تلات عيال وأزماتها ما بتخلصش، وبطريقة ما، كان المفروض حسابي البنكي هو اللي يشيل الليلة ويمتص الصدمات دي دايماً.
كنت بعمل كده من وقت أول مكافأة أخدتها لما طلعت الخدمة من سنين. وقتها أقنعت نفسي إني بساعد عيلتي عشان يعدوا ظروفهم الصعبة، بس مع الوقت فهمت إني كنت بمشي في ساقية الكل اعتمد عليها واعتبرها أمر واقع وطبيعي.
وأنا نايمة على سرير المستشفى ده، بغرز الخياطة، ورجلي اللي بتترعش، وطفلة لسه مولودة نايمة جنبه، حسيت بحاجة جوايا بتتغير. حاجة باردة، حاسمة، وواضحة لدرجة توجع.
ولأول مرة، ما ردتش.
قلبت التليفون على وشه جنب السرير، وركزت كل نظري على إيد “هايزل” الصغيرة وهي بتفتح وتقفل على البطانية. البنت ما كملتش يوم في الدنيا، بس في اللحظة دي فهمت حاجة تانية بكل يقين: لو ما وقفتش الدايرة دي دلوقتي، اللعنة دي هتوصل لها وهتبقى جزء من حياتها هي كمان.



