عزومة العيله حكايات صافي هاني

كان شريف.
القميص اللي كان لابسه كان دبلان، وشه كان مطفي، وفيه علامات هم وتعب سنين مظهرتش عليه طول التلات سنين اللي عاشهم على قفايا. مكنش معاه ساعة في إيده، ولا كان فيه أثر للراجل اللي كان بيفرد ضهره لورا بثقة عمياء وبيتكلم عن الصفقات والتجارة. كان مجرد موظف بسيط، شايل هم المشوار واليوم اللي جاي.
لمح عربيتي.. وبص لي.
عينه جت في عيني للحظة واحدة. شوفت في نظرته كمية ندم وكسرة تكفي بلد. كان نفسه الأرض تنشق وتبلعه، ولسه هيتحرك خطوة ناحية العربية كأنه عايز يتكلم.. الإشارة فتحت.
مفكرتش ثانية واحدة. دوست بنزين وطلعت، ومبصيتش ورايا في المراية حتى.
لما وصلت الشركة، نزلت من عربيتي الهوندا، وقفت ثانية وبصيت لها وابتسمت. افتكرت الليلة اللي كنت واقفة فيها بظبط فستاني وببص لعربيات عيلتي وبحس بالصغر.
دلوقتي، وأنا داخلة مكتبي وبدير شغلي وبكبر كل يوم بفلوسي ومجهودي، عرفت إن الدرس مكنش بس لشريف وأمه.. الدرس كان ليا أنا كمان. اتعلمت إن اللي يفرط في كرامته وحقه من أول مرة عشان “يمشي المركب”، هيصحى في يوم يلاقي نفسه غرقان والمركب لسه سايرة.. بس من غيره.
قعدت على مكتبي، تليفوني رن، لمحت الاسم.. “أبويا”.
رديت وأنا ببتسم من كل قلبي: “صباح الخير يا حبيبي.”
جالي صوته الدافي الهادي: “صباح النور يا جيهان.. وصلتي شغلك بالسلامة؟”
قولت له: “الحمد لله يا بابا.. وصلت، والعربية زي الفل.”
قفل الخط، وسندت ضهري لورا على الكرسي، وخدت نفس طويل وعميق.. نفس كان مقطوع ومخنوق بقاله سنين، والنهاردة بس.. رجع يملى صدري بالكامل.



