البنت الصغيره حكايات صافي هاني
أول ما دخلوا الصالة الواسعة، الدفا بتاع المكان بدأ يسري في جسمهم المبلول. مايا سابت إيد مامتها ببطء ووقفت تتفرج بـ ذهول على السقف العالي والنجف الكريستال اللي بينور المكان بـ ضوء دافي وهادي.
جوليان قلع جاكيت بدلتو المبلول ورماه على الكرسي، وبص لـ هانا اللي واقفة متجمدة عند الباب: “طلعي البنت تغير لبسها المبلول ده.. رجالي جهزوا لها أوضة فوق.”
التفت وبص لـ مايا وقالها بـ نبرة شبه دافية: “أوضتك فوق فيها كل الألوان اللي هتحتاجيها يا مايا. اطلعي مع ماما، وأنا هستناكم هنا.”
هانا خدت بنت من إيدها وطلعت السلم الخشبي العريض وهي حاسة إنها بتسلم نفسها لـ قدرها اللي هربت منه سنين. جوليان فضل واقف تحت، عينه عليهم لحد ما اختفوا في الدور التاني.
أول ما غابوا عن عينيه، طلع تليفونه من جيبه واتك على زرار الاتصال، وصوته رجع يتحول لـ كتلة من الثلج وهو بيكلم رئيس حرسه: “هات لي سلون من المطعم علطول.. واقفلوا كل المداخل. مفيش مخلوق في نيويورك يعرف إن هانا وبنتي هنا.. مفهوم؟”
قفل جوليان السكة وحط التليفون على الترابيزة بـ ركود مرعب، وفضل واقف مكانه في نص الصالة الواسعة، عينيه رايحة على السلم الخشبي اللي طلعت منه هانا وبنته… بنته اللي سابت منديل المتاهة في جيب بدلتو المبلولة.
فوق في الدور التاني، هانا كانت واقفة في نص الأوضة الواسعة الدفية، بتنشف شعر مايا الكيرلي بـ فوطة بيضا ناعمة وإيديها لسه بترتعش. الأوضة كانت مجهزة بـ كل حاجة، لبس أطفال جديد ومتستف في الدولاب، وعلى الترابيزة الصغيرة كان فيه علب ألوان خشب وفلوماستر وكشاكيل رسم جديدة لانج، كأن المكان كان مستني الإيدين الصغيرة دي من سنين.
”ماما، المكان هنا كبير أوي ودفيان،” مايا قالتها وهي بتلبس بيجامة قطن تقيلة وبتتفرج على الألوان بـ انبهار. “والعمو جوليان ده مش لئيم زي ما كنتِ بتقولي على الناس الكبار بره… هو بس مش بيضحك خالص.”
هانا بلعت غصّة في حلقها وقعدت على ركبها قدام بنتها، ومسكت وشها الصغير بين إيدها وقالت بصوت مخنوق بالدموع: “مايا، اسمعيني كويس يا حبيبتي… العمو ده راجل مهم وقوي جداً. لما ننزل تحت، عايزاكِ تفضلي شاطرة وهادية، وما تخافيش من أي حاجة، ماشي؟”
مايا هزت راسها بـ براءة وثقة: “أنا مش خايفة يا ماما… أنا عندي هدوء اختياري، نسيتي؟”
نص ساعة بالظبط، وهانا نزلت السلم وهي ماسكة إيد مايا. جوليان كان قاعد في الصالة التحتانية، لابس قميص أسود مريح وفك زرارين من فوق، وقدامه كاس مية دافية. أول ما سمع صوت خطواتهم، رفع عينه وبص لـ بنته بـ نظرة فاحصة دقيقة، لقط الشبه الكبير اللي بينها وبينه في رسمة العينين الحادة والوقفة اللي فيها كبرياء فطري.
”يقال إن الهدوء الاختياري بيجوع،” جوليان قالها بـ نبرة صوت هادية وهو بيشاور على السفرة الواسعة اللي وراه، واللي كانت مليانة أكل دافي وخفيف يناسب طفلة في سنها. “الأكل جاهز يا مايا.”



