فواتير قديمه حكايات صافي هاني

تربيزة المطبخ كانت غرقانة فواتير مش مدفوعة.
فواتير المستشفى.
إنذارات متأخرة.
روشتات ووصولات الصيدلية.
أمل فضلت تبرق في الأرقام لحد ما زغللت في عينيها وكلها دخلت في بعضها.
في حاجة مش صح.
فيه آلاف الجنيهات اتبرع بيها الناس عشان يساعدوا ليلى.
أصحاب.
جيران.
وناس غُرب تماماً ميعرفوهمش.
الناس طلعت اللي وراها واللي قدامها وفضوا حساباتهم في البنك عشان نفسهم البنت الصغيرة اللي عندها سرطان دم تعيش وترجع لضحكتها.
ومع الـمـوجـود ده كله، المستشفى لسه بتتصل وتطالب بالفلوس.
وشركة الكهرباء لسه بتبعت إنذارات بقطع النور.
وكل ما أمل تسأله الفلوس دي بتروح فين، محمود يثور ويقلب الدنيا خناق.
الليلة دي قررت تواجهه ومترجعش لورا.
”الفلوس بتاعة التبرعات فين يا محمود؟”
ملامح محمود اتقلبت في ثانية.
السؤال جه على الجرح ولعب في عداد عمره.
”أنتي بقيتي مش بتثقي فيا خلاص؟”
أمل زقت كومة الجوابات والفواتير ناحيته.
”الفواتير بتكتر والمطالبات بتزيد والديون هتخرب بيتنا.”
محمود بص للورق بنظرة خطف.
وفجأة، زقهم كلهم بإيده من على التربيزة.
الورق طار واتطوح في كل حتة على أرض المطبخ.
صوت ليلى صحيت وهي بتعيط وتصرخ من الأوضة اللي جنبهم.
محدش من الأب والأم اتهز أو قام يشوفها.
دقات قلب أمل كانت سريعة وبتسمع في ودنها.
لأنها ولأول مرة مش خايفة من الإجابة اللي هيقولها.
هي كانت مرعوبة من حاجة واحدة… إنها تكون عارفة الإجابة دي أصلاً.
وفجأة عينيها لقطت حاجة.
إشعار بنكي منور على شاشة تليفون محمود.
عملية تحويل.
مش للمستشفى.
ولا للصيدلية.
ولا حتى لحساب علاج ليلى.
المكان تاني خالص.
محمود خطف التليفون في لمح البصر.
بسرعة مرعبة.
وزعق بصوت جهوري: “هاتي البتاع ده هنا!”
أمل فضلت مبحلقة فيه ومبرقة.
وفي لحظة، كل عذر وكل حجة قالها على مدار الـتلات شهور اللي فاتوا رجعوا شريط قدام عينيها.
اللبس والجزم الجديدة.
السيولة اللي بتظهر معاه فجأة.
الحاجات اللي بيشتريها وملهاش أي تفسير.
الفلوس اللي بتختفي ومحدش عارف راحت فين.
”أنت أخدت الفلوس.. سرقتها.”
الكلمات طلعت من بين شفايفها بالعافية وهي مش قادرة تستوعب.
فَك محمود اتشنج وعروق وشه برزت.
السكوت ساد بينهم للحظة، محدش فيهم نطق بكلمة.
وبعدها البركان انفجر والغضب عماه.
محمود هبد الكرسي لورا لدرجة إنه اتقلب واتكسر.
صوت عياط ليلى زاد وبقى بهستيريا من أوضة النوم.
وبعد ثواني معدودة، تلات خبطات جامدين ورا بعض هزوا باب الشقة كأنه هيتخلع.
”محمود سليم!”
الصوت رن وصداه ملا البيت كله.
”الشرطة! افتح الباب!”
محمود اتسمر في مكانه ومتكلمش.
الدم هرب من وشه وبقى زي الأموات.
لأن أياً كان اللي واقف ورا الباب ده…
مستحيل يكون جه بالصدفة.
محمود فضل واقف في مكانه كأنه تمثال مشلول، عينه بتلف في الأوضة يمين وشمال زي الفار المحبوس في مصيدة. وباب الشقة لسه بيترج تحت إيد المخبرين.





