البنت الصغيره حكايات صافي هاني

​سلون بلعت ريقها بـ صعوبة، وصوتها طلع بيترعش: “جوليان… أنا…”

​”البنت عندها كام سنة؟” جوليان قاطعها بـ حدة وهو بيرفع عينيه اللي بقت شبه حجر الصوان وبص لها دغري.

​سلون سكتت ثانية، وعينيها لفت في المكان كأنها بتدور على مخرج، بس عرفت إن مفيش فايدة: “ست سنين… عندها ست سنين يا جوليان.”

​جوليان غمض عينيه ثانية واحدة، والحسبة في دماغه كملت. البنت بنته. دموع هانا، خوفها، الذكاء اللي في عينين البنت الصغير، الطريقة اللي تبتت بيها في الشنطة… كل حاجة بقت واضحة. هانا ما هربتش عشان تبعد عنه وبس، هانا هربت وهي شايلة حتة منه، وسلون ساعدتها تخبي السر ده وتدفنه.

​في اللحظة دي، رئيس الأمن قرب تاني من جوليان وهمس بسرعة: “يا فندم، تفتيش المطبخ ومدخل الخدمة تمام، البلاغ طلع كاذب، مفيش أي قنبلة. نأمن المحيط بره ونقفل الأبواب؟”

​جوليان سكت شوية، وبص للكرسي الفاضي اللي كانت قاعدة عليه بنته من دقيقة واحدة، والمنديل الرخيص اللي مطبوع عليه المتاهة لسه محطوط على الترابيزة.

​مد إيده، خد المنديل وطبقه بحرص شديد وحطه في جيب بدلتو.

​وقف بطوله، زرار جاكيت البدلة اتقفل بـ حركة سريعة، وبص لـ رئيس الأمن وقال بـ لهجة آمرة مفيش فيها نقاش: “البلاغ ماكانش كاذب… القنبلة انفجرت خلاص. لم رجالتك، وجهزوا العربيات… إحنا ماشيين.”

​التفت لـ سلون اللي كانت واقفة زي التماثيل، وبص لها نظرة أخيرة وقبل ما يتحرك قالها: “إنتِ مش هتحركي من المطعم ده يا سلون… لحد ما أرجعلك، وتفكري كويس هتقوليلي إيه عن السبع سنين اللي فاتوا.”

​ومشي جوليان بلاكثورن، وحراسه وراه زي الضلال، وخرج وراهم في وسط المطر والليل… يتدور على عيلته اللي رجعت من الموت.

 

المطر بره كان نازل بغزارة، يكسر أي أمل إن حد يشوف اللي قدامه بوضوح. العربيات السودا الضخمة بتاعة جوليان كانت واقفة صف ورا بعض والمحركات دايرة بصوت مكتوم. رئيس الحرس جرى وفتح الباب ورفع شمسية سودا كبيرة فوق راس جوليان وهو خارج من المطعم.

​جوليان وقف ثانية على الرصيف، عينيه الحادة كانت بتمسح الشارع المبلول يمين وشمال. لمح خيال معطف أحمر بلاستيك صغير من بعيد، بينعكس تحت ضوء عمود النور عند أول النواصي في شارع 61. هانا كانت بتجري وبتمسك إيد بنتها بقوة، وبتحاول ترفع إيدها التانية عشان توقف أي تاكسي معدي، بس العربيات كلها كانت محجوزة.

​”هات العربية، لوحدنا،” جوليان قال الجملة دي لرئيس حرسه بلهجة قطعية مفيش فيها نقاش.

​الحارس تردد ثانية: “بس يا فندم، التأمين…”

​جوليان بصلو نظرة واحدة خلته يتراجع خطوة ويسلم المفاتيح فوراً من غير ما ينطق حرف. جوليان ركب العربية الجيب السودا، ودان الشارع بـ سرعة، ومشي وراهم من غير ما يشغل النور العالي عشان ما يلفتش الانتباه.

​عند أول الناصية، هانا كانت بتنهج، ودموعها نازلة مع مية المطر على وشها. مايا كانت بتجري جنبها وجزمتها بتعمل صوت صرير عالي على الرخام المبلول، وشايلة شنطتها الموف بـ إصرار.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *