مرات ابني منعتني من الاحتفال معاهم حكايات صافي هاني
وشه اتصدم، ومكنش متوقع إن الموضوع اتقفل تماماً.
كملت كلامي: “وحتى لو الشقة فاضية يا حبيبي، بروك مش هتعتب البيت ده تاني. بروك مش عايزة تتأسفلي لأنها ندمانة، هي عايزة تتأسف عشان ترجع للعيشة البلاش والخدمة الفندقية وتوفر فلوس الإيجار. اللي يبيعك في لمتهم، ميعرفش طريقك في زنقتهم. أنتوا دلوقتي بتأجروا وبتدفعوا فواتيركم، ودي أول خطوة تخليك راجل بجد وتشيل بيتك ومسؤوليتك”.
وقف، وكان باين عليه إنه استوعب إن مفيش خط رجوع للمجانية اللي كانوا عايشين فيها. بس المرة دي، مكنش زعلان ولا غضبان، كان زي اللي شال حمل تقيل من على كتافه.
قرب مني وباس دماغي وقال: “معاكي حق يا ماما. أدعيلي بس أقدر أكمل”.
قولتله: “دعيالك يا قلب أمك، وطول ما أنت بتسعى بجهدك، ربنا هيكرمك”.
مشي جوليان، وقفل الباب وراه.
قفلت الأنوار، ودخلت سريري ونمت وأنا مرتاحة. عرفت إن الحقيقة أوقات بتوجع، بس بتصلح الحاجات المكسورة. ابني بدأ يبقى راجل، والبيت فضل بتاعي، وحياتي رجعت هادية ونضيفة… ومفيهاش مكان غير للي يقدر قيمتي وبس.
مرت تلات شهور على اليوم اللي مشيوا فيه.
في الأول، المكان كان هادي زيادة عن اللزوم، لدرجة إن السكوت كان بيرن في وداني. بس مع الوقت، السكوت ده بقى أحلى حاجة في يومي. بقيت أصحى براحتي، ومبقاش فيه همّ فواتير بتسحب من رصيدي على الفاضي، ولا بقيت أشيل همّ تلاجة بتفضي في ثواني وكأن اللي فوقيا دول بياكلوا ومبيشبعوش.
جوليان كان بيكلمني مرة كل أسبوع. مكالمات قصيرة، ناشفة، كلها كلام عن الشغل والجو، ومبيجيبش سيرة بروك ولا أهلها خالص. كنت بحس من صوته إنه شايل تقيل، بس كنت بضغط على قلبي كأم وبقفل السيرة، لأن اللي يختار يشيل شيلة بروك، لازم يستحمل وزنها لوحده.
لحد ما جه يوم جمعة بالليل. تليفوني رن، وكان جوليان.
صوته مكنش زي كل مرة. كان صوته واطي، وفي خلفية المكالمة كنت سامعة صوت عياط عيل صغير وصوت بروك وهي بتزعق في التليفون مع حد تاني.
”ماما… أنتي فاضية؟”
قولتله: “آه يا جوليان، قاعدة بشرب شاي. في حاجة؟”
سكت شوية وبعدين قال بنبرة فيها كسرة حقيقية: “أنا تحت البيت يا ماما، ممكن أطلع؟”
”اطلع يا حبيبي، الباب مفتوح”.
دقيقتين والباب خبط. فتحت ولقيته واقف، بس مكنش جوليان اللي مشي من هنا من تلات شهور. وشه كان دبلان، وتحت عينيه هالات سودا، وهدومه متبهدلة كأنه نايم بيها بقاله يومين.
دخل وقعد على نفس الكرسي في المطبخ، وبص للأرض.
عملتله كوباية شاي وحطيتها قدامه وقعدت. ملقطتش خيط الكلام، سبته هو اللي يبدأ.
”إحنا سيبنا بيت أم بروك من أسبوعين يا ماما”، قالها وهو بيمسح على وشه بتعب. “الموضوع مكنش ‘العيلة وبس’ ولا حاجة لما قعدنا في وسطهم. أمها من تاني يوم بقت تحسب علينا اللقمة، وكل شوية تسمّع بروك كلام عن مصاريف المية والكهربا، وتقولها إن بيتها مش لوكاندة. بروك مكنتش بتستحمل الكلمة مني أنا، بس كانت بتبلع لسانها قدام أمها”.


