مرات ابني في المطار حكايات صافي هاني

في المطار، لقيت امرأه ابني قاعده على كرسي ومعاها حفيدي وشنطهم. قالتلي: “قالتلي إني ماناسبش عيلتكم.” ابتسمت وقلت لها: “اركبي العربية.” جه الوقت اللي تعرف فيه مين صاحب الكلمة الحقيقية هنا…

​عادة الجو الهادي والمنظم بتاع مطار القاهرة بيديني إحساس بالراحة، بس النهاردة الصدمة كانت شديدة وتوجع. كنت لسه نازل من الطيارة بعد رحلة شغل صعبة قعدت تلات أسابيع في لندن، ومستني السواق يقابلني عند صالة الوصول. وبدل ما أمشي في طريقي عادي، لفت انظري ولمحة جاكيت جينز دبلان. كانت امرأه ابني، إيمان، قاعده على كرسي حديد بارد، وحواليها تلات شنط سفر متبهدلين. وحفيدي الصغير اللي عنده أربع سنين، زين، عينه كانت حمرا من كتر البكا ورايح في النوم على كتفها.

​قلبي وجعني واتقبض. إيمان المفروض تكون في بيت العيلة الكبير بتاعنا. من يوم ما ابني، أحمد، اتوفى في حادثة تابعة لشغله في الجيش من سنة، وأنا واخد عهد على نفسي إن حمايتها هي وزين برقبتي ومسؤوليتي الكاملة.

​ناديت عليها وأنا بجري وبأرمي الشنطة اللي في إيدي: “إيمان؟”

​اتخضت وبصتلي وعينها مليانة خوف قبل ما تلمحني وتعرفني. أول ما عينا جت في عين بعض، مأدرتش تمسك نفسها والدموع اتسيلت على وشها المخطوف. كانت بتحاول بشتى الطرق تمسح دموعها وتجمع صوتها بالعافية وقالت: “حج رأفت… إيه اللي جابك هنا؟ مش المفروض هترجع بكرة؟”

​قعدت قدامها على ركبي ولمست شعر زين بالراحة وقلت لها: “خلصت شغلي بدري. في إيه يا إيمان؟ وإيه اللي مقعدك هنا بكل الشنط دي؟”

​جسمها كله كان بيتفض وهي ماسكة ظرف مكرمش في إيدها وقالت وهي بتشهق من البكا: “أختك، بهيرة… جت البيت الصبح بدري ومعاها اتنين رجالة شداد. لمتلي حاجتي كلها قبل حتى ما أصحي، وسلمتني تذكرة قطر رايح بس لبلدنا في الأرياف. وقالت لي إن أحمد خلاص مات ومبقاش ليا أي حق في العيلة دي ولا في اسمها. وقالت إني منفعش وسطكم ووسط مقامكم، وإني حمل تقيل بيشوه سمعة العيلة، وإن زين هيتربى أحسن بره تأثير ‘الناس البسيطة’.”

​الدم غلي في عروقي وكنت هطق من الغضب. بهيرة طول عمرها بتتعالى على الناس ومتكبرة، بس إنها تستغل موت ابني عشان تطرد أرملة وأيتام في وقت حزنهم، ده ظلم وقسوة ما يرضيش ربنا ولا يغتفر. افتكرت إن بغيابي الساحة خلت لها وتقدر تتحكم في البيت وتطرد اللي هي عايزاه على مزاجها المريض.

​وقفت وطبعت على وشي ملامح حسم وقوة مفيش فيها تراجع. أخدت الشنط التقيلة من إيدها وبصيت في عينها بكل حزم وقلت لها بصوت هادي زي الصخر: “اركبي العربية يا إيمان. جه الوقت اللي بهيرة تعرف فيه مين صاحب الكلمة والأمر والنهي الحقيقي في العيلة دي… اعرف إيه اللي حصل بعد كده هنا 👇

 

فتحنا باب العربية وركبت إيمان وزين، وطول الطريق مفيش على لساني غير ذكر الله عشان أهدي النار اللي قايدة في صدري. كنت ببص لزين في المراية وهو نايم، وبردد في سري: “والله ما هسيب حقكم، والظلم ده مش هيعدي بالساهل.”

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *