مرات ابني منعتني من الاحتفال معاهم حكايات صافي هاني
فضلت ساكتة وبسمع.
كمل وقال: “أجرنا شقة صغيرة على قدنا، برة المدينة. الإيجار غالي، والفواتير بتيجي تقص الظهر، وبروك مش متعودة على العيشة دي. كل يوم خناق على المصاريف، وكل يوم تقولي كلم مامتك وقولها ترجعنا الشقة اللي فوق. بس أنا خلاص مابقتش قادر… أنا فوقت يا ماما”.
بصلي وعينيه مدمعة: “أنا أسف. أنا مكنتش شايف أنتي كنتي شيلانا إزاي. كنت فاكر إن الدنيا سهلة وإن الفلوس بتيجي بالساهل، ومكنتش مقدر إنك كنتي بتدفعي من راحتك وصحتك عشان إحنا نعيش ملوك. أنا بجد آسف”.
كلمة “أنا آسف” دي، غسلت كل الوجع اللي حسيت بيه يوم ما وقف قدامي ودافع عن بروك. في اللحظة دي، حسيت إن ابني رجعلي، إن التربية اللي ربيتهاله متسرقتش، هي بس كانت مستخبية ورا غشاوة الاستغلال.
مديت إيدي وطبطبت على إيده وقولتله: “مسامحاك يا جوليان. أنا عمري ما زعلت منك كابن، أنا زعلت على نفسي من قلة التقدير”.
سكت شوية، وبلع ريقه وقال بتردد: “بروك مستعدة تيجي وتتأسفلك، وتمضي على عقد الإيجار اللي أنتي عايزاه… بس نرجع”.
سحبت إيدي بهدوء، وبصيت في عينيه وقولتله بوضوح:
”جوليان، الشقة اللي فوق أنا أجرتها من شهر لمهندس شاب ومراته. ناس محترمين، وبيدفعوا الإيجار في أول الشهر بالمليم، وفواتيرهم منفصلة ومبشوفش وشهم إلا وهمّا بيقولوا صباح الخير”.
وشه اتصدم، ومكنش متوقع إن الموضوع اتقفل تماماً.
كملت كلامي: “وحتى لو الشقة فاضية يا حبيبي، بروك مش هتعتب البيت ده تاني. بروك مش عايزة تتأسفلي لأنها ندمانة، هي عايزة تتأسف عشان ترجع للعيشة البلاش والخدمة الفندقية وتوفر فلوس الإيجار. اللي يبيعك في لمتهم، ميعرفش طريقك في زنقتهم. أنتوا دلوقتي بتأجروا وبتدفعوا فواتيركم، ودي أول خطوة تخليك راجل بجد وتشيل بيتك ومسؤوليتك”.
وقف، وكان باين عليه إنه استوعب إن مفيش خط رجوع للمجانية اللي كانوا عايشين فيها. بس المرة دي، مكنش زعلان ولا غضبان، كان زي اللي شال حمل تقيل من على كتافه.
قرب مني وباس دماغي وقال: “معاكي حق يا ماما. أدعيلي بس أقدر أكمل”.
قولتله: “دعيالك يا قلب أمك، وطول ما أنت بتسعى بجهدك، ربنا هيكرمك”.
مشي جوليان، وقفل الباب وراه.
قفلت الأنوار، ودخلت سريري ونمت وأنا مرتاحة. عرفت إن الحقيقة أوقات بتوجع، بس بتصلح الحاجات المكسورة. ابني بدأ يبقى راجل، والبيت فضل بتاعي، وحياتي رجعت هادية ونضيفة… ومفيهاش مكان غير للي يقدر قيمتي وبس.
عدت الشهور، ودخلنا في الشتا.
شتا كونيتيكت السنة دي كان قاسي جداً والتلج مغطي الشوارع، بس البيت عندي كان دافي. الدفا مكنش بس بسبب الدفايات اللي شغالة، مكنش فيه طاقة الغل والطلب اللي مبيخلصش اللي كانت بتملى المكان زمان. المهندس الشاب ومراته اللي مأجرين فوق كانوا في حالهم جداً، يدوب بنتقابل عند صندوق البوسطة نبتسم لبعض وكل واحد يروح لحاله.



