مرات ابني منعتني من الاحتفال معاهم حكايات صافي هاني

​في ليلة من ليالي يناير، التلج كان بيخبط في الشباك وصوت الهوا برة يخوف. كنت قاعدة بقرا كتاب، ولقيت تليفوني بيرن.

​كان جوليان.

​رديت: “أيوة يا حبيبي، عامل إيه في السقعة دي؟”

​صوته كان واشوش وفيه لغبطة: “الحمد لله يا ماما… أنا بس كنت عايز أطمن عليكي، وأقولك إني نقلت شقة جديدة”.

​استغربت وقولتله: “شقة جديدة؟ لحقتوا؟ أنتوا مكملتوش كام شهر في الشقة التانية!”

​سكت شوية، وسمعت نفس طويل وطالع بتنهيدة شرخانة: “أنا نقلت لوحدي يا ماما… أنا وبروك انفصلنا”.

​قعدت عدل على الكرسي وقفت الكتاب: “انفصلتوا؟ ليه يا ابني إيه اللي حصل؟”

​قال بصوت هادي، هدوء حد أخد قرار بعد تعب طويل: “الموضوع مكنش ينفع يكمل. من يوم ما خرجنا من بيتك، والمشاكل مكنتش بتهدى. بروك مكنتش طايقة فكرة إننا بنصرف وبندفع، وكل يوم والتاني خناق وتعايرني إني مش عارف أعيشها في المستوى اللي كانت فيه. كانت فاكرة إن الرجولة إنك تلاقي كل حاجة جاهزة، ولما شافت الشغل بجد والمصاريف بجد، ملقتش الإيد اللي كانت بتشيلها… فصبت غضبها كله عليا”.

​كمل جوليان وقال: “وفي الآخر، لما لقتني مش هعرف أرجعها لبيتِك ببلاش، طلبت الطلاق وراحت قعدت عند أمها. والمرة دي أمها مأجبرتهاش تقعد، هي اللي راحت تجري وراها. أنا مكنتش زعلان وأنا بلم هدومي يا ماما، أنا حسيت إني كنت مسجون وخرجت”.

​قلبي وجعني عليه كأم، بس في نفس الوقت حسيت بفخر. فخر إن ابني اختار كرامته واختار يفوق بدل ما يفضل عايش كومبارس في حياة واحدة مبتفكرش غير في نفسها.

​قولتله: “يا حبيبي، لعله خير. أوقات ربنا بيشيل من طريقنا ناس إحنا فاكرينهم كل حياتنا، بس هما في الحقيقة كانوا بيسحبوها لورا. أنت عملت الصح يا جوليان، والراجل بيبان في المواقف اللي زي دي”.

​قال صوته رايق وفيه أمل لأول مرة من سنين: “أنا أخدت استوديو صغير قريب من شغلي، وبظبط ميزانيتي على قد مرتبيي، وبدفع فواتيري أول بأول. أول مرة أحس بطعم الفلوس اللي بتعب فيها، وأول مرة أحس إني حر”.

​ابتسمت وقولتله: “طب إيه… مش ناوي تيجي تاكل محشي من إيد أمك يوم الأحد؟”

​ضحك من قلبه وقال: “ده أنا جاي جري يا ماما، وحشني أكلِك ووحشتني التربيزة بتاعتك”.

​يوم الأحد جه، والبيت كان مليان بريحة الأكل الدافي. جوليان جه، دخل وباس إيدي ودماغي، وقعدنا على التربيزة ناكل ونتكلم ونضحك زي زمان، من غير عيون بتبص بحقد، ومن غير كلام ملقح، ومن غير حد حاسس إنه فوق البشر.

​وأنا قاعدة باصة لابني وهو بيضحك ومبسوط، عرفت إن الكرتونة اللي طلعتها لبروك يومها، مكنتش بس عشان أخرجها هي من بيتي… دي كانت الخطوة اللي خرجت ابني من وهم كبير، ورجعتلي بيتي، وحياتي، وابني وهو راجل بجد.

​ودلوقتي بس، وأنا قاعدة مع ابني لوحدنا، قولت في بالي: “أهو ده بقى… العيلة وبس”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *