مرات ابني منعتني من الاحتفال معاهم حكايات صافي هاني

​هزيت رأسي وقولتله بهدوء:

“ده قراركم يا جوليان، والكراتين فوق جاهزة اهي”.

​بصلي وكأنه كان مستني إني أضعف، أو أقوله “لأ خليكم وأنا مسمحاكم”، بس ملامحي متهزتش. لقى نفسه مضطر يكمل:

“بس أمها برضه قالت إن اللي أنتي عملتيه ده قساوة قلب، وإنك بتدمر بيتنا عشان عشا… بروك مقتنعة إنك بتكرهيها”.

​قعدت قدامه وقولتله بكل حسم:

“أنا عمري ما كرهت بروك، أنا كرهت نفسي وأنا بتمسح فيكم عشان تدوني حتة من وقتكم. وأمها اللي بتتكلم دي، كانت قاعدة على تربيزتي بتاكل من خيري، ولما جات لها الفرصة، أول واحدة كتبت ‘العيلة وبس’ عشان تخرجني برة الليلة. لو هي شهمة أوي كده وبيصعب عليها شكلكم، مكنتش سابتكم عايشين عالة على ست عجوزة بقالكم خمس سنين. تروح بقى تدفع لكم فواتيركم وتجهزلكم لقمة الأحد، وريني عيلتها هتشيلكم إزاي”.

​مِردش، لأنه عارف إن كل كلمة بقولها صح.

​الأسبوع اللي بعده كان عبارة عن صوت كراتين بتتقفل، وشنط بتتجر، وحركة نزول وطول على السلم. بروك مكنتش بتبص في عيني وهي نازلة، كانت بتتحرك بغل وكبرياء مجروح، كأنها هي الضحية. وأنا كنت بتابع من ورا الشيش، بتابع مملكتها وهي بتتفصص حتة حتة وبترجع لحجمها الطبيعي.

​يوم السبت الصبح، كانت آخر نقلة ليهم. جوليان نزل ومعاه آخر شنطتين، وقف عند الباب وبصلي وقال:

“إحنا ماشيين يا ماما… هبقى أكلمك”.

​قولتله: “توصلوا بالسلامة يا حبيبي، وتليفوني مفتوح دايماً ليك”.

​قفل الباب وراهم، وسمعت صوت عربيتهم وهي بتبعد عن البيت.

​طلعت الدور اللي فوق، الشقة اللي كانت من كام يوم مليانة دوشة وزعيق ومصاريف ملهاش آخر. فتحت الباب ودخلت. الشقة كانت فاضية، النور اللي داخل من الشبابيك كان كاشف كل حتة فيها.

​لأول مرة من خمس سنين، حسيت إن الهوا جوه الشقة دي خفيف ونضيف. مفيش إحساس بتقل الاستغلال، ومفيش طاقة من النكران مسممة المكان.

​نزلت شقتي، عملت كوباية شاي بحبق، وقعدت في كرسيّ المفضل وجنبي التابلت. فتحت الفيسبوك، ودخلت على صفحتي. مسحت الكومنت بتاعي، وعملت “بلوك” لبروك ولأمها ولكل عيلتها.

​الناس دي كانت فاكرة إن وجودي في حياتهم مضمون لمجرد إني بدفع، ومكنوش يعرفوا إن الست اللي بتعرف تفتح حنفية الكرم، بتعرف برضه تقفلها وتدير ضهرها لما تلاقي اللي قدامها مبيطمرش فيه.

​شربت أول بوق من الشاي، وبصيت حواليا… البيت رجع بتاعي، والهدوء رجع لقلبي، والكرسي مكنش بارد خالص، بالعكس، كان دافي ومليان براحة البال.

 

مرت تلات شهور على اليوم اللي مشيوا فيه.

​في الأول، المكان كان هادي زيادة عن اللزوم، لدرجة إن السكوت كان بيرن في وداني. بس مع الوقت، السكوت ده بقى أحلى حاجة في يومي. بقيت أصحى براحتي، ومبقاش فيه همّ فواتير بتسحب من رصيدي على الفاضي، ولا بقيت أشيل همّ تلاجة بتفضي في ثواني وكأن اللي فوقيا دول بياكلوا ومبيشبعوش.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *