مرات ابني منعتني من الاحتفال معاهم حكايات صافي هاني
جوليان كان بيكلمني مرة كل أسبوع. مكالمات قصيرة، ناشفة، كلها كلام عن الشغل والجو، ومبيجيبش سيرة بروك ولا أهلها خالص. كنت بحس من صوته إنه شايل تقيل، بس كنت بضغط على قلبي كأم وبقفل السيرة، لأن اللي يختار يشيل شيلة بروك، لازم يستحمل وزنها لوحده.
لحد ما جه يوم جمعة بالليل. تليفوني رن، وكان جوليان.
صوته مكنش زي كل مرة. كان صوته واطي، وفي خلفية المكالمة كنت سامعة صوت عياط عيل صغير وصوت بروك وهي بتزعق في التليفون مع حد تاني.
”ماما… أنتي فاضية؟”
قولتله: “آه يا جوليان، قاعدة بشرب شاي. في حاجة؟”
سكت شوية وبعدين قال بنبرة فيها كسرة حقيقية: “أنا تحت البيت يا ماما، ممكن أطلع؟”
”اطلع يا حبيبي، الباب مفتوح”.
دقيقتين والباب خبط. فتحت ولقيته واقف، بس مكنش جوليان اللي مشي من هنا من تلات شهور. وشه كان دبلان، وتحت عينيه هالات سودا، وهدومه متبهدلة كأنه نايم بيها بقاله يومين.
دخل وقعد على نفس الكرسي في المطبخ، وبص للأرض.
عملتله كوباية شاي وحطيتها قدامه وقعدت. ملقطتش خيط الكلام، سبته هو اللي يبدأ.
”إحنا سيبنا بيت أم بروك من أسبوعين يا ماما”، قالها وهو بيمسح على وشه بتعب. “الموضوع مكنش ‘العيلة وبس’ ولا حاجة لما قعدنا في وسطهم. أمها من تاني يوم بقت تحسب علينا اللقمة، وكل شوية تسمّع بروك كلام عن مصاريف المية والكهربا، وتقولها إن بيتها مش لوكاندة. بروك مكنتش بتستحمل الكلمة مني أنا، بس كانت بتبلع لسانها قدام أمها”.
فضلت ساكتة وبسمع.
كمل وقال: “أجرنا شقة صغيرة على قدنا، برة المدينة. الإيجار غالي، والفواتير بتيجي تقص الظهر، وبروك مش متعودة على العيشة دي. كل يوم خناق على المصاريف، وكل يوم تقولي كلم مامتك وقولها ترجعنا الشقة اللي فوق. بس أنا خلاص مابقتش قادر… أنا فوقت يا ماما”.
بصلي وعينيه مدمعة: “أنا أسف. أنا مكنتش شايف أنتي كنتي شيلانا إزاي. كنت فاكر إن الدنيا سهلة وإن الفلوس بتيجي بالساهل، ومكنتش مقدر إنك كنتي بتدفعي من راحتك وصحتك عشان إحنا نعيش ملوك. أنا بجد آسف”.
كلمة “أنا آسف” دي، غسلت كل الوجع اللي حسيت بيه يوم ما وقف قدامي ودافع عن بروك. في اللحظة دي، حسيت إن ابني رجعلي، إن التربية اللي ربيتهاله متسرقتش، هي بس كانت مستخبية ورا غشاوة الاستغلال.
مديت إيدي وطبطبت على إيده وقولتله: “مسامحاك يا جوليان. أنا عمري ما زعلت منك كابن، أنا زعلت على نفسي من قلة التقدير”.
سكت شوية، وبلع ريقه وقال بتردد: “بروك مستعدة تيجي وتتأسفلك، وتمضي على عقد الإيجار اللي أنتي عايزاه… بس نرجع”.
سحبت إيدي بهدوء، وبصيت في عينيه وقولتله بوضوح:
”جوليان، الشقة اللي فوق أنا أجرتها من شهر لمهندس شاب ومراته. ناس محترمين، وبيدفعوا الإيجار في أول الشهر بالمليم، وفواتيرهم منفصلة ومبشوفش وشهم إلا وهمّا بيقولوا صباح الخير”.


