ربيت اختي لوحدي حكايات صافي هاني

ربيت أختي الصغيرة لوحدي بعد ما أبويا وأمي اختفوا تماماً من حياتنا. وفي فرحها، حماها بصلي من فوق لتحت بكل تناكة وقال: “يعني إنتِ بقى فاعلة الخير اللي ربت العروسة؟”

​القاعة كلها سكتت صم. وقفت على مهلي، وبصيت في عينيه بكل ثبات وسألته: “هو أنت تعرف أصلاً أنا مين؟”

وشه علطول جاب ألوان… عشان السر اللي مخبياه بقالي عشر سنين كان خلاص على وشك إنه ينكشف.

​اسمي رضوى، وكان عندي واحد وعشرين سنة لما لقيت نفسي فجأة شايلة مسؤولية أختي الصغيرة وبقيت ليها الأم والأب.

​الناس دايماً بتفتكر إن الحكاية فيها بطولة وجدعنة، بس الحقيقة مش كده خالص. الموضوع كان صراع عشان نعيش وبس.

​أبونا وأمنا مماتوش، ولا اختفوا في حادثة تشرف عشان الناس تواسينا وندفنهم ونقرأ لهم الفاتحة.. هما ببساطة انسحبوا من حياتنا بالتدريج؛ الأول مبقاش في حنية، بعدين مفيش فلوس، وفي الآخر اختفوا خالص.

​أبويا سافر يجرى ورا سبوبة وشغلانة برة البلد ومكملش حتى شرحها، وأمي جريت ورا جوازة جديدة كانت شرطها “من غير عيال ولا كركبة قديمة”، والظاهر إن بناتها كانوا هما الكركبة دي. وبكل بساطة، سابوني شايلة كل الحمل اللي وراهم.. خصوصاً “ليلى”.

​كان عندها 8 سنين.. تائهة، وساكتة، وأصغر بكتير من إنها تفهم ليه مبقتش أحكيلها حدوتة قبل النوم، وليه اللي بيعملها سندوتشات المدرسة وبيلبسها هي أختها اللي راجعة وش الصبح ريحتها زيت وأكل وميتة من التعب.

​كنت بشتغل ورديتين في مطعم على السريع مبيقفلش واصل، وبحضر دروس ومحاضرات بالليل بالعافية وأنا بفتح عيني بالعافية، واتعلمت إزاي أضفرلها شعرها من فيديوهات اليوتيوب الساعة 2 بالليل وإيدي لسه بترتعش من شقى طول اليوم وخدمة الزباين. كنت بمضي على شهادات وموافقت مدرسة أنا نفسي مش فاهماها، وبقعد في مجالس الآباء وأنا عامله نفسي ست عاقلة وكبيرة ومستقرة، وأنا من جوايا مرعوبة.

​بس بطريقة ما، قدرت أحميها وأخليها تعيش مستورة.

​لسنين طويلة، كنا إحنا الاتنين وبس في الدنيا.. الفواتير، أعياد الميلاد، ركبها اللي بتتجرح وهي بتلعب، وحفلات المدرسة. مفيش أب ولا أم.. مفيش سند ولا أي مساعدة من حد.. مفيش غيري أنا وطفلة بدأت مع الوقت تدلعني وتقولي “يا روكا”، وكأن الاسم ده هو الأمان والحياة بالنسبة ليها.

​على ما ليلى تمت 18 سنة، مكنتش مجرد بنت كبرت.. دي بقت بطلة، زي القمر، وطيبة ونقية بشكل الأيام محرمتنيش منه بس مسمحتليش أكون بيه في سنها.

​وهنا ظهر في حياتها “آسر الشربيني”.

اسمه لوحده ليه هيبة.. ولاد أكابر، وفلوس من زمان، وتوقعات وعادات متزمتة.. من نوعية العائلات اللي لما بتدخل مكان مش بس بتثبت حضورها، دي بتغير نظرة الناس للمكان كله.

​الفرح كان في قاعة فخمة جداً في التجمع، من الأماكن اللي تدفع فيها دم قلبك عشان الهدوء والشياكة، وحتى الورد هناك تحسه منقى على الفرازة ومترتب بالمسطرة. النجف الكريستال كان منور ومبرق، والورد الأبيض مالي كل التربيزات، والناس الكلاس بتتكلم بصوت واطي ومحدش سامع حد.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *