يوم الطلاق حكايات صافي هاني

بعد تمن دقائق بالظبط من إمضائنا على قسيمة الطلاق، طارق ابتسم بانتصار وكأني خسرت كل حاجة في دنيتي. رمى القلم على مكتب المحامي وقال بثقة: “مفيش حاجة تتقسم أصلاً”. في نفس اللحظة دي، كانت عيلته كلها متجمعة في عيادة خاصة مستنيين يباركوا ويحتفلوا بسونار الست اللي اختارها وفضلها علينا.
بمنتهى الهدوء، حطيت مفاتيح الشقة الزوجية فوق ورق الطلاق، وطلعت باسبورين من شنطتي وقلت له: “عندك حق، مش هبقى عقبة في طريق حياتك الجديدة”. بس الفايل اللي كان مستنيني في العربية كان وراه حكاية تانية خالص.
ساعة الحيطة في مكتب المحامي كانت داقة 9:00 الصبح بالظبط وأنا بمضي اسمي.
كنت فاكرة إن إيدي هتترعش، أو إني هنهار وأعيط. بعد عشر سنين جواز، وطفلين، وكمية خذلان ووجع قلب ميتعدش، كنت متوقعة إن اللحظة دي هتكسرني.
لكن الغريب، إني حسيت براحة وسكينة غريبة جوة قلبي.
أنا اسمي سارة. أم لولد وبنت: كريم عنده عشر سنين، وفريدة اللي لسه بتسأل ببراءة كل ما تشوف طيارة في السما هي رايحة لمكان يفرح؟
الصبح ده، أنا قفلت صفحتي رسميًا مع طارق، الراجل اللي كان زمان بيحلف إنه هيشيلنا في عينيه ويحمي بيتنا.
وقبل ما الحبر بتاع إمضتي ينشف على الورق، تليفونه رن.
مكسلش حتى يقوم يقف في الطرقة أو يوطي صوته؛ رد قدامي وقدام المحامي وأخته بسمة عيني عينك.
”أيوا يا حبيبتي، أنا خلاص بخلص اهو”، طارق قالها بنبرة حنينة فجأة مسمعتهاش منه من سنين. “مسافة السكة وأكون عندك. أمي والكل سبوقنا على العيادة. متبقيش قلقانة، النهاردة يوم مهم قوي”.
كنت عارفة كويس مين اللي بتكلمه.
منة.
الست اللي أهله بدأوا يعاملوها كأنها مراته بجد وصاحبة البيت من قبل ما نطلق.
بصيت لورق الطلاق وأنا سامعه بيكلمها بكل الحنان ده.
طارق مسك القلم، ومضى على الورق من غير ما يقراه حتى، وزق الفايل على المكتب.
وقال: “مفيش حاجة تتقسم كدة كدة. الشقة الكبيرة دي بتاعتي من قبل الجواز، والعربية باسمي. ولو عايزة العيال تاخدهم، أهو يريحوني من مصاريفهم ودوشتهم”.
بسمة أخته ضحكت ضحكة صفرا من ورا قلبها وقالت: “على الأقل كدة كل واحد يشوف طريقه، ومنة وش السعد هتبدأ مع العيلة صفحة جديدة بيضا”.
صفحة جديدة!
ده الاسم اللي اختاروه للغدر.
نسيوا المكالمات اللي كانت بتجيله نص الليل وكنت بعمل نفسي نايمة ومش سامعة عشان ممشيش بيتي.
نسيوا الفلوس اللي كانت بتختفي من الحسابات ولما أسأله يقولي ملوش لزوم تدخلي في اللي ليكي فيه.
نسيوا عزومة العيد اللي حماتي طنط ماجدة مكنتش طايقة تبص في وشي فيها، وكانت قاعدة تدلع منة وتسألها لو حاسة بأي تعب أو وحم.
كل ده عشان “الصفحة الجديدة”.
فتحت شنطتي وحطيت مفاتيح الشقة على المكتب.
طارق ابتسم بسخرية: “كويس، أخيراً فهمتي حجمك وعرفتي مقامك”.
هزيت راسي وقلت له: “أنا بس اتعلمت إمتى اشتري نفسي وأبطل عتاب”.



