حكايات روماني مكرم ٣

فاتت الساعات تقيلة زي الجبل. الليل جه وتليفوني كان مقفول تماماً، مكنتش عاوزة أسمع رنات أو رسايل استعطاف. نمت وصحيت تاني يوم على نار هادية، الـ ٢٤ ساعة كانوا بيقربوا من النهاية.

على الساعة ٧ بالليل، تليفون البيت الأرضي رن. أمي ردت، وملامحها اتغيرت بسرعة، وبصتلي وقالت:

* “منى.. دا حسام، وعاوز يكلمك إنتِ بالذات.”

خدت النفس من أمي وحطيت السماعة على ودني وقولت بجمود:

* “أيوة يا حسام.. الوقت قرب يخلص.”

صوت حسام جه من الناحية التانية مهدود تماماً، كأنه عجز عشر سنين في يوم واحد، وقال بنبرة مكسورة:

* “أنا عملت اللي طلبتيه يا منى.. وروحت لـ ‘عادل’ جوز نجلاء.”

قلبي دق بسرعة وسألته:

* “وقولتله إيه؟”

تنهد حسام بحسرة وكمل:

* “قعدت معاه وفتحت الورق كله قدامه، قولتله على المحامي وعلى قضايا الحجز وعلى المراسلات اللي كانت بتبعتها من تليفونك. عادل الدنيا لفت بيه، ومفتش نص ساعة وكان واخد بعضه ورايح لبيت أبويا.. الدنيا مقلوبة هناك يا منى، نجلاء بتصوت وجوزها حلف عليها بالطلاق وخد عياله ومشي، وأمي عمالة تدعي عليا وتقولي خربت بيت أختك عشان خاطر مرأتك.. أنا خسرت أهلي يا منى، خسرتهم كلهم في يوم واحد عشان أثبتلك إني شاريِك.. تفتكري كدا حقك رجع؟”

الدموع لمعت في عيني، مكنتش شمتانة في خراب بيت نجلاء، بس كنت حاسة إن العدالة دارت دورتها، وإن اللي بيحفر حفرة لأخوه بيقع فيها. قولت لحسام بصوت هادي:

* “حقك عند أهلك إنت اللي هتصلحه بأفعالك يا حسام، بس إنت كدا أثبتلي إن كرامتي عندك أغلى من كلام الناس. تعال بكرا مع بابا وماما، ونتكلم قدام أبويا.”

قفلت السكة وأنا حاسة إن جبل انزاح من على صدري.

تاني يوم، الباب خبط، ودخل حسام.. بس المرة دي مكنش معاه لا نجلاء ولا أمه. دخل لوحده، شايل في إيده بوكيه ورد كبير علب شوكولاتة، بس الأهم من الهدايا كانت عينيه اللي مليانة رجاء.

أبويا وأحمد استقبلوه في الصالة، وأنا طلعت قعدت قصاده. حسام حط تليفونه وتليفوني القديم على الترابيزة اللي بيننا وقال بصوت مسموع قدام الكل:

* “الباسورد بتاع التليفونين أهو يا عمي.. يوم ميلاد منى. وأنا من النهاردة مش بس بقفل باب بيتي في وش أي حد يحاول يتدخل بيننا، أنا بقفل عقلي وقلبي عن أي كلمة تتقال في حق مراتي.. أنا اتعلمت الدرس، والدرس كان غالي قوي.”

أبويا بصلي وهز راسه كأنه بيقولي “القرار ليكي”. بصيت لحسام وقولتله:

* “أنا هرجع معاك يا حسام.. عشان بيتنا وعشان العشرة، بس افتكر دايماً.. الثقة زي الزجاج، لو اتشرخ ممكن يتصلح، بس بيفضل معلم.. وأنا مش هسمح بالشرخ التاني.”

قمت لميت شنطتي، ورجعت معاه الشقة. أول ما دخلت من باب بيتي، حسيت بريحة المكان متغيرة.. كأن الطاقة السلبية اللي كانت بتجيبها نجلاء معاها اختفت. حسام كان بيعاملني كإني جوهرة خايف عليها تكسر، وكل حاجة بدأت ترجع لمجاريها بالتدريج.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *