عيد ميلاد الام حكايات صافي هاني

في نفس الدقيقة دي، وعلى ارتفاع آلاف الأقدام فوق السحاب، كانت سهام قاعدة في كرسيها جنب الشباك. المضيفة قربت منها بابتسامة رقيقة وحطت قدامها كوباية قهوة تركي وقطعة شوكولاتة فاخرة.
سهام خدت نفس طويل وعميق، نفس مخدتوش من 15 سنة. بصت للشمس وهي بتغيب ورا السحاب، وفتحت النوتة الجديدة بتاعتها، وكتبت في أول صفحة: “21 مارس.. أول يوم في حياتي الجديدة”.
قفل أحمد الخط وجلس مكانه مذهولاً، ينظر إلى الفراغ. زوجته سألته بلهفة: “فيه إيه يا أحمد؟ كلمتها؟”
رد وهو يبلع ريقه بصعوبة: “مفيش.. الشبكة قفلت تماماً. يعني الطيارة طلعت.. يعني إحنا دبسنا رسمي”.
في هذه اللحظة، تقدم الويتر مرة أخرى، ممسكاً بجهاز دفع الفيزا (الـ POS)، وقال بأدب لا يلويه شيء: “الشيك جاهز يا فندم، تحبوا الدفع كاش ولا كارت؟”
أحمد تظاهر بالهدوء وأخرج كارت البنك الخاص به وقدمه للويتر. تمرر الكارت في الماكينة، وللثواني معدودة ساد صمت ترقب على الترابيزة.. ثم أصدرت الماكينة صوتاً حاداً (بييييب). الويتر نظر للشاشة وقال بآسف: “عفواً يا فندم، العملية رُفضت.. الرصيد غير كافٍ”.
وجه أحمد تلون باللون الأحمر، ونظر لمنى وقال بعصبية مكتومة: “طلعي الكروت اللي معاكي بسرعة!”
منى بدأت تفرغ محتويات شنطتها على الترابيزة بتوتر، وطلعت كارتين: “جرب دول يا فندم.. اسحب من الأول 20 ألف، ومن الثاني الباقي”.
الويتر جرب الكارت الأول.. تم بنجاح. جرب الكارت الثاني.. رُفض! ليميت المشتريات الخاص بها قد انتهى.
تبقّى من الحساب 55 ألف جنيه.
كريم، الذي كان يحاول طوال الوقت الاختباء وراء ابنه الصغير، وجد الأنظار كلها تتجه إليه. أحمد صرخ فيه بصوت واطي: “كريم! طلع المحفظة، مفيش وقت للهزار، الفضيحة هتبقى بجلاجل هنا!”
كريم أخرج المحفظة وهو يكاد يبكي: “والله العظيم يا جماعة لسه دافع قسط العربية والمصاريف، كل اللي معايا كاش 4 آلاف جنيه، والفيزا بتاعتي مفيهاش غير 10 آلاف.. خدهم كلهم أهو!”
جمعوا كل الكروت والكاش المتاح.. الحصيلة وصلت لـ 34 ألف جنيه فقط. لا زال هناك عجز بقيمة 41 ألف جنيه كاملة!
هنا بدأت الأجواء تنقلب تماماً على الترابيزة. زوجة أحمد نظرت لمنى وقالت بحدة: “على فكرة بقى، ولادك هما اللي طلبوا تلات أطباق ستيك زيادة ومحدش لمسهم، ذنبنا إيه إحنا نشيل الليلة دي كلها؟”
ردت منى بصوت مرتفع: “جرى إيه يا رشا؟ ما جوزك طلب أغلى طبق سي فود في المنيو، وبنتك وقعت العصير الفريش وطلبنا بداله مرتين! متعمليش فيها بريئة!”
الخناقة بدأت تعلو، والأطفال بدأوا يبكون من التوتر، والويتر وقف بعيداً ينظر إليهم ببرود، وبدأ يهمس للمشرف المسؤول عن الصالة، والعيون في المطعم كله بدأت تلتفت لترابيزتهم. أحمد أحس أن كرامته تدهس تحت الأقدام، فأخرج موبايله وبدأ يتصل بأصدقائه واحداً تلو الآخر: “يا محمد.. معلش أنا في مشكلة محتاج تحول لي 15 ألف جنيه حالاً فودافون كاش وأول ما أروح هحولهملك.. معلش يا صاحبي ضروري والله”.




