ابن ينتظر موت امه حكايات صافي هاني

“لو كنتِ بتموتي، كانوا كلموني يا أمي.. بلاش دراما بقى!”

​ده بالظبط اللي ابني قاله في التليفون وأنا راقدة على سرير المستشفى، إيدي متجبسة، ضلوعي مكسرة، وشاش مغطي راسي كلها.

​اسمي تهاني، عندي 67 سنة، وعايشة في بيت صغير على أطراف القاهرة. لحد وقت قريب، كنت فاكرة إن أكتر حاجة تكسر القلب في حياتي هي إن ابني الوحيد، طارق، مابقاش عنده وقت يجي يتغدا معايا يوم الجمعة. كنت دايما أطلعله أعذار؛ أقول لنفسي الشغل، العيال، المصاريف، ضغوط الحياة.. الأم ممكن تخترع ألف عذر وعذر قبل ما تعترف لنفسي إن ضناها مابقاش يبص لها بحب.

​كل حاجة اتقلبت رأساً على عقب اليوم اللي كلمني فيه المحامي وقاللي بخصوص وصية عمتي إجلال. عمتي دي كانت الست اللي العيلة كلها بتقول عليها “غريبة أطوار”. ما اتجوزتش، ما خلفتش، وسافرت الإسكندرية وهي صغيرة، وفضلت هناك تشتري وتبيع في عقارات وأراضي من غير ما حد يحس بيها. العيلة كلها نفضوها ومحدش كان بيعبرها.. إلا أنا.

​كنت ببعتلها جوابات، أكلمها في الأعياد، أسألها أكلتِ إيه؟ طب مش حاسة بوحدة؟ طب الجو عندك إيه؟ رغم إنها كانت بعيدة عني. فلما المحامي طلبني في مكتبه، قلت يمكن عمتي سابتلي تذكار بسيط.. خاتم، ألبوم صور قديم، أو حتى شقة صغيرة ع البحر.

​لكن المفاجأة كانت لما المحامي زق كومة ورق قدامي على المكتب وقاللي: “يا مدام تهاني، عمتك سابتلك كل حاجة.. العقارات، الأراضي، الحسابات في البنوك.. ثروتك دلوقتي حوالي 33 مليون جنيه!”

​النفس اتكتم مني.. تلاتة وتلاتين مليون جنيه؟!

​أول حد جه في بالي كان طارق.. شركته اللي بتمر بمشاكل، قسط شقته، مصاريف مدارس العيال، وافتكرت صوته اللي دايما طالع مخنوق ومتعصب كل ما نجيب سيرة الفلوس. خرجت من مكتب المحامي وأنا بترعش من الفرحة.. مش عشان بقيت غنية، لأ، عشان ابني أخيرًا هيرتاح من الهم!

​كنت عاوزة أروحله بنفسي وأقوله الخبر.. تخيلت ملامح وشه لما يعرف إنه مش هيشيل هم القرش بعد النهارده، تخيلت وأنا باخده في حضني وبنعيط مع بعض وبقوله كل حاجة هتبقى تمام.. بس الرجل دبت في مكان والقدر قال كلمته.

​على بعد عشر دقائق بس من بيت طارق، عربية نقل تقلت إشارة حمرا ودخلت في عربيتي بكل قوتها من ناحيتي!

​فوقت بعد تلات أيام في المستشفى.. ضلعين مكسورين، شرخ في المعصم، وارتجاج في المخ.. جسمي كله كان حاسه إنه اترمى من طيارة. الممرضة قالتلي إنهم كلموا رقم الطوارئ اللي أنا حطاه.. طارق.

​بس طارق مجاش!

استنيت ساعة.. يوم.. اتنين.. خمس أيام!

في اليوم السادس، مسكت التليفون بإيدي السليمة وكلمته.

​رد عليا وهو مخنوق: “أمي، أنا مشغول.”

همست بتعب: “طارق.. أنا عملت حادثة وكنت غايبة عن الوعي.”

رد ببرود مستفز: “عارف، المستشفى كلموني.. بس أنا عندي تسليم شغل وتشطيبات مهمة دلوقتي، مش هسيب ورايا وقدامي عشان كل شوية تخضينا خضة ملهاش لزمة!”

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *