صدمة حبيب حكايات صافي هاني

​بصيت على الأكل اللي برد على السفرة، وعلى الشموع اللي طفت، وقمت دخلت الأوضة.. لميت كل حاجة تخص “آرون” في شنط كبيرة، ورميتها بره البيت في وسط الضلمة. مكنتش عايزة أي ريحة تفكرني بالكدبة الكبيرة دي.

​تاني يوم الصبح، الشمس طلعت وكان شكلها مختلف.. لأول مرة بحس إني حرة، مش مستنية مكالمة، ولا مستنية خاتم، ولا مستنية “آرون” يرضى عني ويقرر يكمل حياته معايا.

​بعد شهرين، كنت واقفة في المحكمة.. “آرون” كان لابس بدلة السجن البيضا، ووشه دبلان وعينيه مليانة غل وندم. المحامي بتاعي قدم كل التسجيلات، وقدم الورق اللي بيثبت إنه كان بيخطط لسرقتي من أيام ما كنا في المدرسة. القاضي منطقش كتير.. حكم عليه بالسجن المشدد بتهمة التزوير والشروع في النصب والابتزاز.

​وهو خارج من قاعة المحكمة والكلابشات في إيديه، عينه جت في عيني.. حاول يتكلم أو يقول أي حاجة، بس أنا دورت وشي الناحية التانية ومشيت وأنا راسي في السماء.

​كلمت مكاتب الجمعية الخيرية اللي نقلت ليها الفلوس، وقررت أبدأ معاهم مشروع كبير لبناء مستشفى للأطفال، وبقيت أنا اللي مشرفة على التنفيذ بنفسي. نزلت الشارع، واشتغلت، وقابلت ناس حقيقيين بيحبوني لشخصي مش لفلوسي.

​مرات أبويا اللي كانت بتقول عليا “البنت اللي مش عارفة تخليه يأخد خطوة”، كلمتني وهي بتعيط وبتتأسف وتطلب رضاي، بس أنا مكنش عندي وقت للعتاب.. أنا كنت بقفل صفحة قديمة وبكتب كتاب جديد لقصتي.

​النهاردة، بعد سنة كاملة من الليلة دي، أنا قاعدة في بلكونة بيتي الجديد، مفيش مرجحة جدتي القديمة، بس فيه هدوء نفسي عمري ما دوقت زيه. “آرون” ضيع ١٥ سنة من عمره وهو بيرسم خطة فاشلة، وأنا خسرت ١٥ سنة من عمري وأنا عايشة في وهم.. بس المكسب الحقيقي إني فوقحت، وعرفت قيمتي، والـ ٢٠ مليون دولار؟ راحوا للمكان اللي يستاهلوه.. وأنا كسبت نفسي، وده عندي بالدنيا كلها.

مرت خمس سنين كاملين على اليوم ده.

​خمس سنين اتغيرت فيهم كل حاجة. المستشفى اللي بنيتها باسم جدتي بقت حقيقة، وكل ما كنت بزورها وأشوف ضحكة طفل طاب من تعبه، كنت بحس إن كل قرش من الورث ده راح في مكانه الصح، وإن ربنا عوضني بالضحكات دي عن كل ليلة بكيت فيها ونمت مكسورة الخوف والخزلان.

​في يوم وأنا براجع حسابات المستشفى في مكتبي، جالي تليفون من المحامي بتاعي. قالي إن “آرون” قدم طلب إفراج مشروط لحسن السير والسلوك بعد ما قضى مدة عقوبته، وإن الطلب اترفض لأن السجلات أثبتت إنه لسه عنده ميول انتقامية ومظهرش أي ندم حقيقي.

​قفلت السكة وأنا حاسة بابتسامة خفيفة على وشي. زمان، خبر زي ده كان ممكن يخليني أترعش أو أخاف، بس دلوقتي؟ مابقاش يفرق معايا أصلاً، كأنه غريب بسمع أخباره في الجرائد. هو لسه مسجون جوه غله وطمعه، وأنا طايرة في سما حريتي.

​خرجت من المكتب وعديت على البيت القديم بتاع جدتي.. البيت اللي اتهجر من سنين. وقفت في البلكونة وبصيت على المرجحة الخشب اللي كانت شاهدة على وعوده المزيفة وأنا عندي ١٦ سنة. المرجحة كانت قديمة ومتهالكة، والزمن أكل منها وشرب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *