رجعت من المستشفي حكايات صافي هاني

رجعت من المستشفى ومعايا شنطتين سفر، لقيت حماتي واقفة جوه شقتي ولابسة الروب بتاعي.
قالت: “المكان ده مابقاش بتاعك”.
بس لما اتصلت بمدير العمارة وفتحت درج مقفول، اكتشفت ملف فيه توقيعي المزور – وحاجة تانية أوحش من كده بكتير.
وقالت ببرود: “لو لسه باقيلك تفتوفة كرامة، لمي هدمك وامشي من هنا.. الشقة دي بقت ملكي أنا وابني خلاص”.
دي كانت أول كلمات أسمعها بعد ما فتحت باب شقتي، بعد ما قضيت حوالي شهرين مسافرة بجرى ورا أبويا وبارعاه بعد ما عمل عملية قلب مفتوح.
كنت هلكانة، الجاكيت بتاعي متبهدل ومكرمش من السفر، وشعري متبهدل، وكنت باجر ورايا شنطتين تقال جدًا.. كل اللي كنت عوزاه هو حمام سخن، وفنجان قهوة، وأرمي جسمي على سريري وأرتاح.
بس سريري مابقاش عليه الملايات بتاعتي.
والزرع بتاعي اختفى من الصالة.
وريحة بيتي مابقتش هي الريحة اللي متعودة عليها.
بدل كل ده، الشقة كانت قالبة بريحة بخور رخيص، وأكل متسخن، وريحة برفان تقيلة وخانقة. وكان فيه مفرش مشجر وشكله مش حلو محطوط فوق الأنتريه البيج بتاعي، واللوحات الرقيقة والسمبل اللي كنت معلقاها اختفت.. وعلى الحيطة الرئيسية دلوقتي، اتعلقت صورة كبيرة لجوزي طارق وهو مبتسم واقف جنب أمه.
وكانت واقفة هناك..
حماتي.
واقفة في وسط صالوني بكل ثقة وبرود وكأن ليها كل الحق في الدنيا إنها تكون هنا.
كانت لابسة الروب البينك الناعم اللي كنت شارياه في سفرية، وفي إيدها مج القهوة الأزرق بتاعي – نفس المج اللي أمي هديتهوني يوم ما مضيت عقود الشقة دي.
قلت وأنا باضغط على صوتي عشان يفضل هادي ومتزن: “يا طنط.. إنتِ إيه اللي جابك هنا؟”.
ابتسمت بصفاقة وكأنني أنا اللي حشرية وداخلة مكان مش بتاعي: “قاعدة في مكاني الطبيعي.. طارق أخيرًا فاق وعرف إن أمه أهم بكتير من مراته الأنانية المغرورة”.
بصيت بعيني على الطرقة..
كراتين وجزم وشنط وقزايز دواء وبطاطين مرمية في كل حتة.. والكتب بتاعتي ملقحة على الأرض كأنها زبالة.
قلت بصوت واطي: “الشقة دي ملكي أنا”.
ضحكت حماتي باستهزاء: “ملكك إنتِ؟ متبقيش عبيطة يا أمل.. ابني قالي على كل حاجة، إنتِ كنتِ كاتباها باسمك بس عشان حب السيطرة اللي عندك.. طارق هو اللي دافع دم قلبه في كل حاجة، طارق هو صاحب الكلمة.. وطارق قرر إن أنا اللي هقعد هنا”.
الغضب كان بياكل في صدري وبيدبحني، بس رفضت تمامًا إني أصرخ أو أبان ضعيفة.
الشقة دي أنا شارياها من قبل ما أتجوز طارق أصلاً، دافعة تمنها من شقايا وشغلي الإضافي، والمكافآت، والليالي اللي منمتش فيها، والعشا البارد اللي كنت باكله على مكتبي وأنا بشتغل.. طارق مدفعش فيها جنيه واحد، لا في قسط، ولا في عوايد، ولا حتى في تمن الستاير.
قلت لها: “أنا هكلم إدارة العمارة دلوقتي”.
ضحكتها اختفت وبان عليها الضيق، وقالت بنبرة تهديد: “بلاش تفضحي نفسك وتخلي شكلك وحش.. هتباني قاسية وقلبك حجر، ده غير إن طارق خلاص خلص كل الأوراق والجرى ده”.




