ابويا طردني حكايات صافي هاني
أنا عمري ما طلبت من أهلي مليم. وأنا عندي 16 سنة، أبويا كرمش جواب قبولي في كلية الفنون، وشاورلي على الباب وقال: “اطلعي برة—وإياكِ تيجي تزحفي وتعيطي لما تفشلي”. بعد اتناشر سنة، بقيت في السايت والهدوء بمتلك سلسلة معارض أنتيكات، وبرج في سياتل… والبنك اللي راهن بيتهم نفسه. فجأة، إيميل من أختي نور على الشاشة: “بابا اتطرد من شغله، وماما غرقانة في الفواتير”. كانوا جايين يترجوا رئيس مجلس إدارة ميعرفوش هويته عشان يرحمهم—من غير ما يعرفوا إن أنا اللي قاعدة مستنياهم في المكتب ده….
كنت ببحلق في الإيميل ولما أخدت بالي لقيت إيدي بتترعش.
الرسالة كانت بتنور على الشاشة، وحواليا الحيطان القزاز الواسعة لمكتبي اللي في الرووف. برة، سياتل كانت بتلمع في ضوء رمادي هادي، والناشات بتتحرك زي حشرات بطيئة فوق أبراج لسه مكملتش، والمعديات بتعدي في الخليج. تحت في الشارع، الناس بتجري بالشماسي وكوبايات القهوة وفي عيونهم لهوجة نص النهار. فوق هنا، على بعد تلاتين دور من كل ده، دوشة المدينة كانت مجرد زنة خفيفة ومستمرة.
عنوان الإيميل كان من أختي الصغيرة: محتاجة مساعدتك.
الكلام اللي جوه الرسالة كان كام سطر بس.
بابا اتطرد من شغله.
فواتير علاج ماما خرجت عن السيطرة.
عارفة إن عندك مصاريفك، بس… لو تقدري تساعدي بأي حاجة…
ضحكة صغيرة مكسورة طلعت مني قبل ما أقدر أمنعها. صوتها كان غريب في المكتب الهادي، حاد وفاضي زيادة عن إنه يكون ضحك بجد.
لو أقدر أساعد.
ياريتهم يعرفوا.
سندت ضهري على الكرسي وسرحت بعيني برة الشباك تاني، ناحية المية الرمادية وبرج “إبرة الفضاء” الأبيض اللي شبه خلة السنان. الناس بتشوف المبنى ده في الكروت البريدية وبيفتكروا البدايات الجديدة والتطور. أنا دايما كنت بربطه بحاجة تانية خالص: البعد. المسافة اللي سافرتها من البيت الضيق في توسان، المكان اللي حياتي اتدمرت فيه من اتناشر سنة.
هما لسه فاكرين إني شغالة في محلات سيلز وتجزئة، بتنقل من أتيلييه لمعرض، وبالعافية بكفي يومي. لسه فاكرين إني مأجرة استوديو ضيق في مدينة متتسمش، باكل إندومي وبدعي ربنا حسابي في البنك ميتصفرش.
مكانش عندهم أي فكرة إن ده مش مجرد مكتبي.
ده المبنى بتاعي كله.
اسمي مكانش مكتوب على اليافطة برة طبعا، أنا مش متهورة للدرجة دي. العقود كانت محطوطة في صمت في درج مقفول ورايا، تحت اسم شركتي: “روسو للفنون الجميلة والأنتيكات”. سلسلة معارض خاصة ممتدة زي خط فضي من كاليفورنيا لواشنطن، كلها ملكي. ثروتي الشخصية عدت الأربعة عشر مليون دولار الربيع اللي فات، في هدوء، من غير زيطة ولا شو.
ومرة واحدة، طول السنين دي كلها، ما طلبت من أهلي قرش صاغ.
المؤشر على إيميل أختي كان بيطفئ وينور بصبر، كأن عنده وقت الدنيا كله. فضلت مبحلقة في الكلام لحد ما زغلل في عيني، وزي ما بيحصل دايما لما عقلي بيتحاصر، الماضي هجم عليا كله مرة واحدة.

