ابويا حطنا قدام الامر الواقع حكايات صافي هاني

​بعد سنة بالظبط من يوم ما مضيت الورق ده، أبويا ندالي في أوضته.

​كانت الساعة 9:17 بالليل. العيال ناموا. وسارة كانت في المطبخ بتغسل علب الغدا عشان الصبح. ريحة الطرقة كانت مكس من مسحوق الغسيل وكريم المساج اللي بدهنه لركبة أبويا كل ليلة.

​كان قاعد على طرف السرير بقميصه الكاروهات القديم، اللي أساوره متبهدلة. نفسه كان ضعيف، بس عينيه كانت فايقة ورايقة.

​قال لي: “اقعد”.

​قعدت على الكرسي اللي جنب سريره.

​براحة وببطء، فتح الدرج الفوقاني وطلع ورقة A4 متطبقة ومحطوطة جوه فايل بلاستيك شفاف، كأنه كان بيحافظ عليها من البصمات.

​قال لي: “اقرا دي”.

​كنت فاكرها مطالبة تانية.

​أو تغيير تاني في الأقساط.

​تذكير جديد بإنك لما بتعمل الصح، بتدفع عليه فوايد كمان.

​إيديا كانت حاسة بالتعب من قبل ما أفتحها أصلاً.

​بس أول سطر مكنش طلب فلوس.

​ده كان عقد تنازل موثق من الشهر العقاري.

​السطر التاني كان فيه بيانات العقار.

​السطر التالت كان فيه اسم المالك الجديد.

​في اللحظة دي، البيت كله سكت.

​مكنتش سامع صوت غسالة الأطباق.

​ولا سامع حركة سارة في المطبخ.

​ولا حتى سامع صوت التكييف القديم وهو بيزن تحت الشباك.

​إيديا كانت بترعش جامد لدرجة إن الفايل البلاستيك كان بيخروش بين صوابعي.

​بعدها شفت إمضاء أبويا في آخر الورقة.

​وتحتها، جنب ختم التوثيق، كان كاتب جملة واحدة بخطه اللي بيتهز…

 

… “شكراً إنك مسبتنيش لوحدي يا بني، البيت والمزرعة بقوا بتوعك، أنت الوحيد اللي تستاهلهم.”

​أنا مكنتش قادر أصدق عيني، دموعي نزلت مغرقة الورقة. المليونين ومية وستين ألف دولار مكنوش دين.. دي كانت قيمة أملاكه كلها، وكان عامل الاختبار ده عشان يشوف مين فينا اللي باقٍ عليه بجد ومستعد يشيل معاه الحمل، ومين اللي باصص للدنيا بالأرقام والحسابات وبس.

​بصيت لأبويا وأنا مش قادر أنطق، وهو مد إيده ورطب على كتفي بابتسامة صافية، كأن جبل انزاح من على صدره. في اللحظة دي عرفت إن الـ طحن والتعَب بتاع السنة اللي فاتت دي كلها مكنش عذاب، ده كان أحسن استثمار عملته في حياتي.. لأني مكسِبتش أرض وبيت وبس، أنا كسبت رضا أبويا، ووفاء مراتي، ودرس لعيالي مش هينسوه طول عمرهم.

لقيت نفسي برمي القلم من إيدي وبترمي في حضنه. فضلت حاضنه جامد وأنا ببكي زي العيل الصغير، وهو كان بيطبطب على ضهري بإيديه اللي بترعش، ودموعه هو كمان نازلة على كتفي. سارة شافت الخيال من بره، فتحت الباب براحة ودخلت وهي قلقانة، بس أول ما شافت المنظر وشافت العقد في إيدي، فهمت كل حاجة من غير ما ننطق بكلمة. حطت إيدها على بوقها وبدأت تعيط من الفرحة، وأبويا شاور لها بإيده التانية عشان تيجي تدخل في حضننا.

​تاني يوم الصبح، الشمس طلعت وكان شكلها مختلف، كأن الغمة انزاحت عن البيت. أول حاجة عملتها إني اتصلت بالشغل واعتذرت عن الشيفت التاني.. لأول مرة من سنة كاملة. قعدنا كلنا على ترابيزة الفطار، وأبويا وسطنا بياكل وهو مرتاح، والعيال بيلعبوا حواليه وهو بيضحك لهم من قلبه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *