ابويا حطنا قدام الامر الواقع حكايات صافي هاني

مايكل ودانيال عرفوا بالموضوع بعد كم يوم لما ورق الشهر العقاري اتسجل رسمي. مايكل كلمني في التليفون وصوته كله غل وحقد، وقالي: “أنت كنت عارف وملعوبة!”، ودانيال بعت رسالة عتاب ناشفة كأني أنا اللي سرقت حقه. م رديتش على حد فيهم.. الفلوس اللي كانوا خايفين منها طيرتهم من حياتنا، والنصيب اللي كانوا هيتخانقوا عليه راح للي صان وعان.
الناس براحتها تحسبها بالورقة والقلم، وتحسب الحب والخروج والدخول بالأرقام والمصالح.. بس في الآخر، الأيام بتدور، واللي بيشيل أبوه في عز حِملُه، ربنا بيشيله فوق الراس العمر كله.
نزلت المزرعة مع أبويا والعيال في الويك إيند اللي بعده. المزرعة اللي كانت مقفولة ومهجورة بقالها سنين، فتحنا بوابتها الكبيرة وصوت تزييق الحديد كان كأنه بيعلن بداية جديدة. العيال جروا في الأرض الواسعة وفرحتهم كانت مالية المكان، وسارة كانت واقفة جنبي بتبص للأرض والنخل، وعينيها فيها لمعة رضا تعوضها عن كل ليلة نامت فيها وهي شايلة الهم.
أبويا وقف وسط الأرض، أخد نفس عميق كأنه بيرجع روحه اللي تاهت منه في المستشفى والديون الوهمية، وبصلي وقال: “الأرض دي يابني متغذية بعرق وشقا عمري كله، مكنتش هأمن عليها حد غير اللي ه يصونها ويصون الاسـم.”
مرت السنين، والمزرعة كبرت وبقت بتنتج وخيرها مغرقنا، وربنا فتحها عليا من وسع كأنه بيجازيني على كل قرش وكل نقطة عرق دفعتها في السنة الصعبة ديك. العيال كبروا في وسط الخير ده، بس الأهم إنهم كبروا وعارفين إن الأصول مبتتجزأش، وإن الأب مبيتسابش مهما كانت الظروف.
أما مايكل ودانيال، فـ فضلت الأيام تلف بيهم في سواقي الحسابات والأرقام، وخسروا كتير لأن اللي بيبدأ حياته بالخوف والأنانية عمره ما بيكسب بركة.
كل يوم بالليل، وأنا بمر على أوضة أبويا عشان أطمن عليه وأدهنله ركبه زي زمان، ببص للورقة المتطبقة اللي لسه شايلها في مكتبي.. وبفتكر دايماً إن الحسبة الصح ملهاش علاقة بالدفاتر.. الحسبة الصح بتبدأ من القلب.
النهاردة وأنا واقف في وسط أرضي، وتحت نفس العلم الصغير اللي متعلق على باب المزرعة وبيتحرك مع الهوا، بيبقوا العيال حواليا بيلعبوا وأبويا قاعد على كرسيه بيبص لبعيد وهو مبتسم.. ضحكته رجعت ملو وشه، وصحته ردت فيه تاني كأنه صغر عشر سنين لمجرد إن الحمل والهم اتمسحوا من على قلبه.
سارة بتيجي من بعيد شايلة صينية الشاي بالنعناع، بتبصلي وبتضحك.. الضحكة اللي ساندتني في عز الأيام الكحلة، والوش الصافي اللي متبدلش ولا اشتكى لما كان العشا لقمة بجبنة وقوطة. بروح أقف جنبها وبمسك إيدها وبنقول في نفس واحد: “الحمد لله”.
الحكاية دي علمتني إن البيوت مبتقفش على الفلوس، البيوت بتقف على العزوة والناس اللي بتشيل بعضها في المُر قبل الحلو. الـ 2,160,000 دولار مكنوش تمن الأرض والمزرعة.. دول كانوا تمن الدرس اللي هعيش وأعلمه لولادي وولاد ولادي: إنك لما تشتري أبوك وتصون أصلك، الدنيا كلها بتفتحلك بواباتها وتجيلك لحد عندك راكعة.



