رمت الفستان بالبسين حكايات صافي هاني

​ومن يومها، قفلت الصفحة دي تماماً. عيلتي خسرت كل حاجة: الفلوس، والأرض، والهيبة، والأهم من ده كله.. خسرتني أنا وأولادي اللي هيجوا الدنيا ومش هيعرفوا يعني إيه عيلة بتجرح باسم الهزار. والدنيا فضلت تلف وتدور عشان تثبت لسه مليون مرة، إن اللي يظلم ويدوس على قلوب الناس وهو فاكر نفسه فوق، بيصحى في يوم يلاقي نفسه في القاع، ومحدش بيسمي عليه.

مرت سنتين على كل اللي حصل. حياتي أنا ونادين اتغيرت 180 درجة، ربنا فتحها علينا من وسع، وبقى عندها الأتيليه الخاص بيها في الزمالك، والكل بيلف وراها عشان تعملهم فساتينهم. وفي وسط كل النجاح ده، ربنا رزقنا بأجمل بنوتة في الدنيا، سميناها “ليلى” على اسم والدة نادين الله يرحمها.

​يوم سبوع ليلى، البيت كان مليان ورد وفرحة، وأهل نادين اللي جوم من أسوان كانوا منورين المكان وبيمشوا على الأرض بحب واحترام، مفيش كلمة بتجرح، ولا نظرة بتقلل من حد. وأنا واقف في وسط الفرحة دي، تليفوني رن.. النمرة كانت غريبة بس أنا قلبي حس.

​خرجت البلكونة ورديت، جالي صوت أمي.. كان واهن وتعبان جداً، وصوت العياط مخنوق في زورها:

“أحمد يا بني.. ألف مبروك البنوتة، تتربى في عزك. أنا عرفت من بره بره وعيطت من فرحتي وفوقيها قهرتي إن عيالك بيجوا الدنيا وأنا مش شايلاهم في حضني.”

​سكتّ، ومكنتش عارف أقول إيه. الوجع لسه موجود، بس الغضب كان هدي. قولتلها: “الله يبارك فيكي يا أمي.. شكراً ليكي.”

​أمي كملت عياط وقالت: “أبوك مبقاش بيخرج من البيت من كتر كسرة عينه بعد ما باع كل اللي وراه واللي قدامه، وكاميليا قاعدة في الأوضة ليل نهار، مفيش عريس بيمد إيده يتقدم لها، وصحابها كلهم بعدوا عنها عشان ملقوش وراها غير الفقر والمشاكل.. إحنا اتعاقبنا أوي يا أحمد، والدنيا دارت علينا وخلتنا بندور على الرضا من أي حد.. سامحنا يا بني وخلي نادين تسامحنا، قولها إن قهرتها ردت فينا أضعاف.”

​بصيت من زجاج البلكونة على نادين وهي شايلا ليلى وبتضحك وسط أهلها، وقولت لأمي بنبرة كلها أسف:

“أنا مسامحكم يا أمي، ونادين والله قلبها أبيض وعمرها ما شالت غل.. بس المسامحة حاجة، وإننا نرجع زي الأول حاجة تانية خالص. البيوت اللي اتهدت بالظلم وقسوة القلوب مابتتبنيش تاني بنفس الأمان. ادعيلي وادعي لليلى، وأنا هفضل أسأل عليكي.. بس كل واحد فينا بقى في طريق.”

​قفلت الخط، وأنا حاسس إن في حمل تقيل انزاح من على كتافي. رجعت دخلت الأوضة، ونادين بصتلي وسألتني بعينيها في إيه، فابتسمت لها وهزيت راسي بمعنى “مفيش حاجة.. كله تمام”.

​أخدت بنتي في حضني وبصيت لملامحها الهادية، وحلفت بيني وبين نفسي إن البيت ده عمره ما هيدخله صوت عالي، ولا تريقة تكسر القلوب، ولا قسوة تنداري ورا كلمة “بنحفل وبنهزر”.

​الدنيا دي صغيرة وخلاصة اللي عشته فيها كلمتين: “كما تَدين تُدان”.. اللي بيزرع شوك وتريقة وكسر خواطر في قلوب الناس، بيصحى في يوم يلاقي الشوك ده مغروز في قلبه هو وأقرب الناس ليه.. واللي بيتقي ربنا في مشاعر الغريب قبل القريب، ربنا بيقّيدله اللي يشيله على الراس ويفرشله الأرض ورد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *