اختي فضحتني حكايات صافي هاني

​فجأة، شافت من بعيد بنت صغيرة، باين عليها إنها اتعورت في رجليها وهي بتلعب وسط الصخر، وقاعدة على الرمل بتبكي. أبرايل من غير ما تفكر، قربت منها وقعدت على ركبها قدامها، وطلعت منديل من جيبها وبدأت تمسح لها الجرح البسيط بكل حنية.

​البنت بطلت عياط وبصت لـ أبرايل وقالت لها: “أنتي مين؟”

​أبرايل ابتسمت ابتسامة صافية وقالت لها: “أنا أبرايل.. متخافيش، الوجع ده ثواني وهيعدي، والتعويرة دي بكرة هتنشف وهتبقى علامة صغيرة تفكرك إنك كنتي شجاعة وبتلعبي ومب تخافيش من الصخر”.

​أم البنت جت تجري وشكرت أبرايل، وأخدت بنتها ومشيت.

​أبرايل وقفت، وبصت لأثر رجليها على الرملة اللي المية كانت بتمسحه أول بأول. في اللحظة دي استوعبت الدرس الأخير في قصتها..

​الماضي زي الرمل، مهما كان تقيل وجارح، المية والوقت بيمسحوا أثره الوجع، ومبيبقاش منه غير الذكرى اللي بتقويك.

​أبرايل سالفاتيرا، البنت اللي أبوها وأختها صغروها قدام الدنيا، بقت هي اللي كبرت الدنيا كلها بأخلاقها. سابت الشاطئ ورجعت لعربيتها، وهي باصة قدامها.. للمستقبل، ولحياة جديدة مفيهاش مرار، ولا انتقام، ولا ندم. حياة ماليانة سلام حقيقي، هي اللي صنعته بإيديها وصبرها.مرت الأيام والشهور، والاسم اللي كان زمان بيتقال بـ “الهمس” والغمز واللمز، بقى النهاردة بيتكتب بحروف من دهب في السجلات العسكرية. العميد أبرايل سالفاتيرا مابقتش مجرد قائد كفء، دي بقت “أسطورة” حية بيتعلم منها طلبة الكلية البحرية معاني الصمود، والصبر على البلاء والظلم.

​وفي ليلة من ليالي الشتا، كان فيه تكريم رسمي كبير في قاعة المؤتمرات الكبرى التابعة لوزارة الدفاع. حفلة رسمية على أعلى مستوى، بيحضرها قادة الجيش، والوزراء، وسفراء من دول مختلفة.

​أبرايل كانت واقفة في نص القاعة ببدلتها التشريفية البيضاء، النجوم والنسر بيلمعوا على كتافها، والأوسمة مغطية صدرها. نظرتها كانت هادية ومطمئنة، مابقاش فيها الأسرار القديمة ولا الحزن اللي كان دايماً خانق عينيها.

​وفجأة، لفت انتباهها حركة عند مدخل القاعة.

​كان فيه راجل عجوز لابس بدلة مدنية أنيقة بس باين عليه التعب، واقف مع الأمن بره وبيحاول يدخل، ومعاه بنت شابة لابة فستان بسيط جداً ومفيش على وشها أي ميكاب أو مظاهر تمنظر.

​عرفتهم في ثانية.. دون روبرتو وفانيسا.

​الأمن مكنش راضي يدخلهم لأن الحفلة دي لـ “الشخصيات الهامة” والعسكريين فقط، ومفيش معاهم دعوات رسمية. دون روبرتو مكنش بيزعق ولا بيقول جملته الشهيرة “أنا العقيد روبرتو”، بالعكس، كان واقف منكسر وبيتكلم بمنتهى الأدب، وكل اللي بيطلبه إنه بس يسيب “رسالة” أو هدية لبنته.

​أبرايل شاورت للمساعد بتاعها وقالت له بصوت واطي: “هاتهم يا فندم.. خليهم يدخلوا”.

​المساعد راح بسرعة وفتح لهم الطريق. دون روبرتو دخل القاعة وهو بيبص حواليه، وشاف الضباط اللي كانوا زمان بيجاملوا أخوه الخاين، والنهاردة واقفين انتباه تحية لـ بنته.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *