توقيع اوراق الطلاق حكايات صافي هاني

كانت الرسالة التي أرسلها ناصر الجابر إلى مدير أعماله التنفيذي تحتوي على ثلاث كلمات فقط: “ابدأوا الخطة الآن”.

​لم يتحرك ناصر من مكانه، بل ظل جالساً واضعاً رجلاً على رجل، يراقب راشد المنصوري وهو يسحب أوراق الطلاق الموقعة بنهم وجشع، وكأنه حقق أعظم انتصاراته القانونية والتجارية.

​أخذ راشد الأوراق، وابتسامته تكاد تصل إلى أذنيه، التفت إلى نورة وقال: “خلاص، الحين نقدر نروح الغدا ونحتفل بالحرية، ونستعد للأسبوع الجاي… أسبوع المليارات.”

​التفتت مريم إلى الخلف، التقت نظراتها بنظرات أبيها. لم تكن عيناها تطلب الرحمة، بل كانت تعلن انتهاء فترة الصبر. سنتان كاملتان عاشتهما مريم بعيدة عن قصر أبيها وثروته، رغبةً منها في بناء حياة عصامية مع رجل ظنت أنه يحبها لذاتها، رجل وافقت عليه وهي تعمّد إخفاء هوية أبيها الملياردير عنه لتختبر معدنه. والآن، ظهر المعدن الحقيقي: زائف، صدئ، ورخيص.

​وقفت مريم، تركت البطاقة السوداء على الطاولة دون أن تلمسها، وحملت حقيبتها القماشية البسيطة. تحرك ناصر الجابر من مكانه بخطوات هادئة رصينة، تصدر أحذيته الإيطالية الفاخرة صوتاً منتظماً على أرضية القاعة.

​انتبه راشد للحركة، ونظر إلى الرجل الخمسيني ذو الهيبة الطاغية الذي كان يجلس في الظل. عقد راشد حاجبيه، وشعر بوخزة مألوفة، فوجه هذا الرجل يظهر في المجلات الاقتصادية العالمية، لكن عقله لم يستوعب الرابط بعد.

​قال راشد بنبرة مستغربة ومستعلية: “عفواً يا أخ… منو أنت؟ ومن سمح لك تدخل قاعة اجتماعات شركتي المحجوزة؟”

​ابتسم ناصر الجابر ابتسامة باردة جعلت دماء المحامي العوضي تجمد في عروقه، فالأخير عرف فوراً هذا الوجه المرعب في عالم المال والأعمال.

​وقف ناصر بجانب مريم، ومد يده ليمسح على كتفها بحنان، ثم التفت إلى راشد وقال بصوت رخيم وهادئ يحمل قوة زلزال: “شركتك؟ قصدك الشركة اللي مستأجرة هذا المكتب في البرج اللي أملكه بالكامل؟ أم قصدك شركة (نوفالينك) اللي تعتمد في مشروع إدراجها في السوق الأسبوع القادم على تمويل وضمانات من بنك (الخليج الأول)؟”

​تصلب جسد راشد، وابتلعت نورة ريقها بصعوبة وتراجعت خطوة عن النافذة.

​تابع ناصر الجابر وهو ينظر في ساعته: “قبل دقيقة واحدة، صدر أمر بإلغاء عقد إيجار شركتك في هذا البرج لمخالفتك شروط السمعة التجارية. وقبل نصف دقيقة، سحب بنك الخليج الأول، الذي أمتلك حصة الأغلبية فيه، كافة الضمانات والاعتمادات المالية لشركتك. وبما أن سوق الأسهم لا يرحم الشركات غير المستقرة مالياً… فإدراج شركتك الأسبوع القادم تم إلغاؤه.”

​شحب وجه راشد حتى صار كالجدار، وسقطت أوراق الطلاق من يده. قال بصوت مرتجف ومتلعثم: “أنت… أنت منو؟ وبأي حق تدمر شغلي؟”

​أمسك ناصر يد ابنته مريم، ونظر إلى راشد بنظرة احتقار أخيرة وقال: “أنا ناصر الجابر. وهذا القلم الرخيص اللي وقّعت فيه بنتي أوراق طلاقها منك، كان أرحم بكثير من القلم اللي شطبت فيه اسمك من السوق قبل شوي. مريم ما كانت كاشيرة محتاجة لإنقاذك يا راشد… مريم هي اللي كانت منقذتك الوحيدة، وأنت بنفسك رميت طوق النجاة.”

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *