اختي فضحتني حكايات صافي هاني

​أبرايل فضلت قاعدة ورا مكتبها بكل هيبة. بصت لهم هما الاتنين بنظرة خالية من أي غل أو انتقام، بس في نفس الوقت مفيهاش أي ضعف.

​وقفت وقربت منهم، وبصت لأبوها وقالت: “الفلوس والبيوت عمرها ما كانت بتهمني يا بابا، ولو كانت بتهمني مكنتش دخلت الجيش من الأول. أنا هقبل اعتذاركم.. مش عشان نرجع زي الأول، لأن اللي اتكسر جوة مش هينفع يتصلح.. بس هقبله عشان أنا خلاص قفلت الصفحة دي من حياتي، ومبقتش شايلة منكم حاجة”.

​بصت لـ فانيسا وكملت: “والأصول بتقول إن الكبير بيسامح الصغير.. فرصتك يا فانيسا تبدأي نظيفة وتتعلمي إن قيمتك مش بفلوسك ولا بنظارتك الغالية، قيمتك باللي بتعمليه للناس”.

​دون روبرتو حس بإن جزء صغير من الحمل اللي على قلبه اتشال، وهز راسه بامتنان وهو كاتم دموعه.

​أبرايل ودعتهم بكل أدب واحترام، ولما قفلوا الباب وراهم، مشيت ناحية الشباك الكبير اللي بيطل على البحر. بصت للأمواج وهي بتاخد نَفَس طويل وعميق.. لأول مرة من خمس سنين تحس إنها خفيفة، وإن الحمل اللي كان كاتم على نفسها انزاح بالكامل.

​رجعت لمكتبها، فتحت ملف عملية جديدة، ومسكت القلم وهي عارفة إن رحلتها الحقيقية لسه بتبدأ، بس المرة دي.. وهي قائدة، ومرفوعة الراس، والكل بيعمل لها ألف حساب.

 

مرت الأيام والشهور، والاسم اللي كان زمان بيتقال بـ “الهمس” والغمز واللمز، بقى النهاردة بيتكتب بحروف من دهب في السجلات العسكرية. العميد أبرايل سالفاتيرا مابقتش مجرد قائد كفء، دي بقت “أسطورة” حية بيتعلم منها طلبة الكلية البحرية معاني الصمود، والصبر على البلاء والظلم.

​وفي ليلة من ليالي الشتا، كان فيه تكريم رسمي كبير في قاعة المؤتمرات الكبرى التابعة لوزارة الدفاع. حفلة رسمية على أعلى مستوى، بيحضرها قادة الجيش، والوزراء، وسفراء من دول مختلفة.

​أبرايل كانت واقفة في نص القاعة ببدلتها التشريفية البيضاء، النجوم والنسر بيلمعوا على كتافها، والأوسمة مغطية صدرها. نظرتها كانت هادية ومطمئنة، مابقاش فيها الأسرار القديمة ولا الحزن اللي كان دايماً خانق عينيها.

​وفجأة، لفت انتباهها حركة عند مدخل القاعة.

​كان فيه راجل عجوز لابس بدلة مدنية أنيقة بس باين عليه التعب، واقف مع الأمن بره وبيحاول يدخل، ومعاه بنت شابة لابة فستان بسيط جداً ومفيش على وشها أي ميكاب أو مظاهر تمنظر.

​عرفتهم في ثانية.. دون روبرتو وفانيسا.

​الأمن مكنش راضي يدخلهم لأن الحفلة دي لـ “الشخصيات الهامة” والعسكريين فقط، ومفيش معاهم دعوات رسمية. دون روبرتو مكنش بيزعق ولا بيقول جملته الشهيرة “أنا العقيد روبرتو”، بالعكس، كان واقف منكسر وبيتكلم بمنتهى الأدب، وكل اللي بيطلبه إنه بس يسيب “رسالة” أو هدية لبنته.

​أبرايل شاورت للمساعد بتاعها وقالت له بصوت واطي: “هاتهم يا فندم.. خليهم يدخلوا”.

​المساعد راح بسرعة وفتح لهم الطريق. دون روبرتو دخل القاعة وهو بيبص حواليه، وشاف الضباط اللي كانوا زمان بيجاملوا أخوه الخاين، والنهاردة واقفين انتباه تحية لـ بنته.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *