تزوجت مشردا حكايات صافي هاني

في نص السهرة، تليفون أبويا رن.. كان بيتفرج على نشرة الأخبار الاقتصادية في التلفزيون وفاتح الموبايل بيقرا خبر. وفجأة شوفت ملامح وشه بتتغير.. عينيه برقت، والريموت وقع من إيده، وبقى يبص للتلفزيون وللموبايل وبعدين يبص لمينا وهو مش مصدق!
النشرة كانت بتذيع تقرير عن “مجموعة الرشيدي العالمية لإعمار الشرق الأوسط”، وكانوا عارضين صورة كبيرة لمينا بالبدلة الرسمية وهو بيستلم إدارة المجموعة بعد تنفيذ وصية جده.
أبويا صوته اختفى تماماً، وبقى يشاور على التلفزيون ويده بترتعش: “مينا.. أنت.. أنت اللي في التلفزيون ده؟”
أمي سابت الصينية اللي في إيدها وجريت تشوف في إيه، وأنا وقفت جنب مينا وابتسمت. مينا قام وقف بكل هيبة، وقرب من أبويا، وباس على رأسه وقال له بنبرة كلها أصل:
”أيوا يا عمي.. أنا مينا الرشيدي. أنا الراجل اللي بنتك وافقت تتجوزه وهي فاكراه مشرد ومعندوش مليم، وافقت عشاني أنا كبني آدم مش عشان فلوسي.. والنهاردة أنا جاي أقولك إن شقا عمرك وورث بنتك في أمان، مش بس عشان ماريان بقا معاها فلوس.. لأ، عشان ماريان اتجوزت الراجل اللي يقدر يحميها ويحمي عيلتها كلها.”
أبويا قعد مكانه وهو حاطط إيده على قلبه من الذهول، وأمي بدأت تزغرد وهي مش مستوعبة حجم الفرحة والصدمة مع بعض.
بصيت لمينا ولقيته بيغمز لي بعينيه.. في اللحظة دي عرفت إن اللعبة خلصت، والمسرحية انتهت بأحلى شكل ممكن.. والست اللي كانت فاكرة إن حياتها اتهدت لمجرد إنها كبرت من غير جواز، ربنا عوضها بأكتر شخص مكنتش تحلم بيه في الدنيا.. عوضها بـ “مينا”.
بعد الليلة دي، عيلتي مبقتش مستوعبة الصدمة، وأمي بقت كل ما تلمح مينا في التلفزيون أو تقرأ اسمه في الجرايد، تتصل بيا وتفضل تدعي وتزغرد في التليفون وتقول لي: “يا مقلّب القلوب.. اللي كنت خايفة عليكي تعنسي بسببه، بقيتي حرم مينا الرشيدي!”
أبويا نفسه، اللي كان عايز يفتح لمينا محل منظفات، بقى كل ما يقعد مع أصحابه في النادي يرفع راسه لفوق ويقول بفخر: “نسيبي ده يوزن بلد.. ده عقلية اقتصادية فذة.”
لكن وسط كل الزيطة والملايين والشركات دي، مينا فضل هو هو.
وفي يوم، بعد حوالي سنة من الجواز، كنا قاعدين في شقتنا البسيطة اللي في الدقي، ومينا كان لابس تيشرت جينز بسيط وقاعد على الأرض بيلعب مع جرو صغير كنا لسة مشتريينه. بصيت له وقولت له: “مينا.. أنت مش زهقان من القعدة هنا؟ الفيلا اللي في التجمع خلصت فرِش، والكل مستنينا ننقل.”
ساب الجرو من إيده، وقام قعد جنبي على الكنبة، وأخد إيدي بين إيديه وبص لي بحنان وقال: “الشقة دي فيها روحي يا ماريان.. هنا المكان الوحيد اللي بقلع فيه بدلة الشغل والمسؤولية، وببقى فيه ‘مينا’ بس.. الراجل اللي حبك ونفسه يسعدك.”
سكت شوية وابتسم وهو بيفتكر: “عارفة.. أنا ساعات بنزل أتمشى في نفس الشارع اللي شفتيني فيه تحت المطر، وبقف قدام القهوة وبفتكر شكلك وأنتي جاية عليا وبتسأليني عن الجواز.. وبقول لنفسي: يا رب يكون كل واحد غلبان ومكسور في الشارع ده، يربنا يبعت له ‘ماريان’ تفتح له طاقة قدر وتغير حياته.”

