تزوجت مشردا حكايات صافي هاني

​”لأ خالص.. الموضوع ومفيهوش إن جدي الله يرحمه كتب في وصيته شرط غريب جداً عشان أستلم إدارة المجموعة كلها وأخد نصيبي في الورث.. الشرط كان إني أعيش شهر كامل في الشارع، من غير تليفون، من غير فلوس، ومن غير ما حد من عيلتي يساعدني بمليم. جدي كان شايف إن اللي ميعرفش قيمة القرش من تحت، وميدوقش طعم الجوع والبهدلة، مش هيعرف يحافظ على شقا العيلة ويحس بالغلابة.”

​سكت ثانية وبص لي بامتنان: “اليوم اللي شفتيني فيه.. كان اليوم الـ 29 ليا في الشارع. كنت خلاص بموت من البرد والجوع ومفاضليش غير يوم واحد والشرط يتحقق. ولما جيتي وعرضتي عليا الجواز والمصلحة.. أنا مكنتش محتاج فلوسك، بس شفت في عيونك نفس الوجع والتمرد اللي عندي.. اتنين أهاليهم بيتحكموا في مصيرهم بالفلوس والشروط الفاضية. وافقت عشان أهرب من ضغط عيلتي الكبيرة، وعشان أساعدك تاخدي حقك من أهلك زي ما أنا هاخد حقي.”

​قعدت على أقرب كرسي وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا: “يعني أنت.. مليونير؟”

​”تقدري تقولي كدة..” وقف وقرب مني، ونزل لمستوايا وبص في عيني بصدق: “الرجالة دول كانوا المحامين بتوعي، بيقفلوا معايا ورق الاستلام بعد ما الشهر بتاعي خلص والتزمت بالشرط. أنا متأسف إني مقتلكيش من الأول، بس كنت مستني الوقت المناسب.. والوقت ده جه.”

​بلعت ريقي وبصيت له: “والجوازة دي؟ المسرحية اللي احنا فيها؟”

​مينا ابتسم ابتسامة حقيقية ودافية، وقال بصوت واطي: “المسرحية دي بدأت كدة يا ماريان.. بس أنا عمري ما ارتحت ولا حسيت بالأمان مع حد زي ما حسيت معاكي في الشقة دي.. فـ إيه رأيك نقلب المسرحية دي حقيقة، والمرة دي.. بشروطي أنا وأنتي، مش شروط أهالينا؟” أنا فضللت متنحة مش عارفة أرد. عقلي مش قادرة يستوعب التحول الرهيب ده. الراجل اللي كنت بأكله وأشربه وبشفق عليه، طلع يقدر يشتري العمارة اللي احنا قاعدين فيها باللي فيها!

​قومت وقفت وبعدت عنه خطوتين وأنا بحاول أستجمع ثباتي الانفعالي: “يعني أنت قعدت تمثل عليا دور الغلبان والمؤدب وأنت في الحقيقة ملياردير وبتلعب بيا؟”

​مينا وقف وبص لي بنظرة كلها عتاب: “يا ماريان، أنا ممثلتش عليكي. لما شفتيني كنت فعلاً في الشارع وجعان وبردان. والشهامة والنضافة والأدب اللي شفتيهم مني الشهر اللي فات ده كله، دي حقيقتي وتربيتي، مش تمثيل عشان أخد رضاكي. أنا وفيت بالشرط مع جدي، ووفيت باتفاقي معاكي قدام أهلك.”

​سكت شوية وقرب خطوة، كأنه بيطمن خوفى: “أنا لو عايز ألعب بيكي، كنت مشيت أول ما الورق ده اتمضى ومكنتيش هتعرفي لي طريق. لكن أنا قعدت.. ومستنيكي ترجعي.”

​سندت ظهري على الحيطة وحطيت إيدي على دماغي: “طب وأهلي؟ أبويا وأمي اللي طايرين بيك ومنبهرين بذكائك وهدوئك؟ لو عرفوا إنك مينا الرشيدي هيجيلهم سكتة قلبية من الفرحة! مش ده اللي كانوا عايزينه؟ عريس لقطة وغني!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *