وصلت الجنازه حكايات صافي هاني

طارق سابها ووقع على ركبه في الأرض، وبدأ يلطم على وشه زي النسوان من كتر القهر والندم، وهو بيبص على تراب المدافن ويصرخ: “يا أبويااا! ظلمتها يا أبويا وضيعت ولادي! ضيعت لحمي وعِرضي يا با!”
وصلنا لباب المدافن الحديد، السواق بتاعي كان واقف مستني برة، أول ما شافنا فتح بيبان العربية الجيب السودا. ركبت عيالي واحد ورا التاني، وقبل ما أركب، لفيت وشي وبصيت بصه أخيرة على المكان.
شفت طارق وهو بيجري ناحية البوابة زي المجنون، هدومه اتبهدلت بالتراب، وعينيه غرقانة دموع، والناس بتحاول تمسكه وتمنعه. كان شكله يصعب على الكافر، راجل هده الندم بعد ما فات الأوان.
ركبت العربية وقفتلت الباب بقوة، وقلت للسواق: “اطلع يا ابني على القاهرة”.
العربية طلعت وخلفت وراها تراب المدافن وسيرتهم كلها. وبصيت لعيالي الخمسة اللي كانوا بيبتسموا لي بفخر، وساعتها بس حسيت إن الوجع اللي عشته عشر سنين اتمسح في ثانية، وإن الميري مش بس لبس وحماية.. الميري ده هو اللي رجعلي حقي وكرامتي تالت ومتلت قدام الدنيا كلها.
ل الطريق لحد ما وصلنا القاهرة، مفيش صوت في العربية غير همس العيال وصوت كاسيت السواق وهو مشغل ميكس هادي لـ “أم كلثوم”. أنا كنت باصة من الشباك على الشجر والطريق الصحراوي، وحاسة بأول مرة أتنفس فيها بجد من عشر سنين. كأن جبل كان على صدري وانزاح.
بعد ساعتين، تليفوني الميري رن برقم غريب. كنت عارفة هو مين ومكنتش هرد، بس قررت أرد عشان أدفن الحكاية دي بكلمة أخيرة.
فتحت الخط وجاءتني نبرة صوته المبحوحة، صوته كان رايح خالص من كتر العياط: “شاهندة.. أبوس إيدك ما تقفليش.. أنا قريت كل كلمة.. قريت تقرير المستشفى وعرفت اللعبة اللي اتلعبت عليا.. أنا كنت حمار، كنت مغمي عيني ومساق ورا كلام الست دي.. أنا طلقتها بالثلاثة ورميتها بشنطة هدومها في الشارع قدام العيلة كلها، وبلاغ النيابة هيتحرك ضدها الصبح.”
سكت شوية وهو بيشهق ومستني مني رد، ولما لقاني ساكتة كمل وهو بيتفجر بالدموع: “أنا عايز أشوفهم يا شاهندة.. أدهم وكريم ويوسف والبنات.. دول ولادي، لحمي.. أنا مستعد أكتبلهم كل ما أملك، السرايا والأرض والشركات.. بس يسامحوني، وإنتِ تسامحيني.”
أخدت نَفَس هادي، وقلتله بمنتهى البرود اللي اتعلمته في الخدمة: “طارق.. السرايا والأرض والفلوس دي بلها واشرب ميتها، إحنا مش محتاجين قرش من عيلة الخطيب. عيالي كبروا واترعوا في بيوت وجامعات تابعة للجيش، وبكرة هيبقوا ظباط ودكاترة ومهندسين بفضل ربنا وعرقي أنا، مش بفلوسك اللي اتكتبت بظلم وافترا.”
”طب أشوفهم بس.. أسمع صوتهم!”
”العيال دول يوم ما سألتني عليهم من شوية، مكنوش عارفين إنت مين أصلاً.. أنا مفهمتّهمش إن أبوهم رماهم، أنا قلتلهم إن جدهم بس هو اللي عايش وأبوهم مات من زمان.. والنهاردة، بعد ما شافوا ندمك وخيبتك، هما نفسهم مش عايزين يعرفوك. اقفل صفحتنا يا طارق، وعيش اللي باقي من عمرك مع ذنبك.. ده عقابك في الدنيا، ولسا حساب الآخرة.”



