وصلت الجنازه حكايات صافي هاني

​أدهم.. ابني الكبير، كان واقف في الطليعة، لابس لبس التخرج، وعينه بتلمع بالقوة والثبات. جنبه في المدرجات كان واقف إخواته الأربعة: كريم ويوسف اللي دخلوا هندسة وطب عسكري، ونور وجنا اللي بقوا في ثانوية عامة وبيرتبوا يدخلوا كليات قمة.

​لما أعلنوا أسماء الأوائل، واسم أدهم رن في الميكروفون، وقف قدام المنصة وضرب تعظيم سلام بكل فخر. عيني دمعت بس مكنتش دموع وجع.. دي كانت دموع النصر.

​وسط الزحمة وهيصة الناس برة أسوار الكلية بعد الحفلة، ولمة عيالي حواليا وهما بيبوسوا إيدي ورأسي وبيتصوروا معايا، لمحت راجل واقف بعيد ورا السلك الحديد بتاع البوابة الخارجية.

​كان طارق.

​كان واقف ساند على عكاز، هدومه بسيطة، وعينيه دبلانة على الآخر. كان بيبص لأدهم ويبكي في صمت، فرحان ومكسور في نفس الوقت. فرحان إن ابنه بقى ظابط مالي مركزه، ومكسور لأنه ملوش حق حتى يقرب يبارك له أو يتدفى في حضنه. أدهم لقط نظرتي ولفت وشه بص للراجل اللي واقف بعيد، ورجع بصلي وقال بصوت هادي: “ماما.. هو ده؟”

​هزيت رأسي بآه خفيفة من غير ولا كلمة.

​أدهم بص لطارق نظرة طويلة.. مكنش فيها غل ولا كره، كانت نظرة باردة، نظرة لشخص غريب تماماً ملوش أي وجود في حياته. لف ضهره لطارق، وحط إيده في دراعي وقال بصوت عالي سَمّع الكل: “يلا يا سيادة العقيد.. يلا يا أمي عشان الغدا النهاردة على حسابي، أنا وبشير الخير إخواتي.”

​مشينا وعيالي محاوطيني زي الحرس، وسبنا ورا ظهرنا طارق وهو واقف مكانه، يبكي على العمر اللي ضيعه بجرعة كدب، وع الشرف اللي افترا عليه فربنا جازاه بأنه يعيش غريب ويموت وحيد وسط أهله.

​ركبنا عربيتنا، وأنا بصلهم ولقيتهم بيضحكوا ومستقبلهم بينور قدامهم، عرفت إن حسابي مع الدنيا قفلته وربحت الرهان. الحكاية مخلصتش بدموع، الحكاية خلصت بـ “تعظيم سلام” للست اللي حاربت وصبرت، وللحق اللي دايماً بينتصر في الآخر.

مرت السنين زي الطلقة، وقطر العمر مبيقفش.

​النهاردة أنا بقيت “سيادة اللواء شاهندة”.. قفلت مدة خدمتي في القوات المسلحة بكل شرف وأمانة، وخرجت بمعاش مشرف وسط تكريم يهز البلد. بس التكريم الأكبر والنيشان الحقيقي اللي بجد كان مالي عليا بيتي وصالوني.

​أدهم ابني بقى رائد ومالي مركزه، وكريم ويوسف بقوا ظباط مهندسين ودكاترة بيخدموا بلدهم، ونور وجنا اتخرجوا من الجامعات وبيتجهزوا لبيوتهم. بقيت قاعدة وسط عيالي وعيال عيالي، والضحكة مش مفارقة بيتنا.

​في ليلة شتا دافية، وأنا قاعدة وسط لمتهم الكبيرة، تليفوني رن. كان المتحدث محامي من بلدنا القديمة في الصعيد.

​”ألو.. سيادة اللواء شاهندة؟ البقاء والدوام لله.. طارق بيه الخطيب اتوفى النهاردة العصر.”

​الصالون كله سكت لما سمعوا الاسم. بصيت لعيالي الخمسة، ملامحهم كلها بقت ناضجة، ومفيش في عيونهم أي أثر للماضي.

​المحامي كمل بصوت هادي: “طارق بيه عاش سنينه الأخيرة لوحده في شقة صغيرة على أطراف البلد، رافض يشوف حد من أهل شيرين أو قرايبه اللي غدروا بيه زمان. وقبل ما يموت، كتب وصية رسمية في الشهر العقاري، ساب فيها كل قرش وكل شبر أرض رجع وكتبه باسم عيالك.. وكتب جملة واحدة في آخر الوصية: (أمكم مكنتش ست.. أمكم كانت جيش بحاله، حمتكم مني ومن الدنيا.. سامحوني).”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *