وصلت الجنازه حكايات صافي هاني

قفلت السكة في وشه، وعملت للرقم “بلوك” للآبد.
لفيت وشي لورا وبصيت لأدهم، ابني الكبير، اللي كان باصصلي ورافع حاجبة بابتسامة فخر وقال: “تمام يا فندم.. كده قفلنا المحضر ده خالص؟”
ضحكت من قلبي وقلتله: “خالص يا قلب أمك.. جهزوا نفسكوا بقى، بكرا عندنا طابور عرض ومستقبل جديد مستنينا.”
العربية دخلت بوابات القاهرة مع أذان المغرب. أنوار الشوارع بدأت تنور وتنعكس على قزاز العربية، والزحمة والحركة بتاعة شوارع العاصمة حسستني إننا رجعنا للحياة الحقيقية، وسبنا ورايا كابوس ودفناه في تراب الماضي.
السواق وقف قدام عمارة السكن العسكري اللي عايشين فيها. نزلنا واحد ورا التاني، وكل جيراننا وزمايلي في الخدمة اللي يشوفنا يسلم علينا باحترام وتقدير. العيال دخلوا شقتنا، قلعوا هدوم العزا، والبيت رجعت فيه الروح والضحكة من تاني.
دخلت أوضتي، وقفت قدام المراية، وبدأت أفك زراير البدلة العسكرية الميري حتة حتة. النياشين والأوسمة اللي على صدري كانت بتلمع.. النياشين دي مخدتهاش بالساهل، دي كانت تمن كل ليلة نمت فيها وعيني دمعتها على خدي، وتمن كل قرش شقيته عشان أكبّر الخمسة دول وأخليهم رجالة وبنات يهدوا جبال.
تليفوني رن تاني، بس المرة دي كان رقم أرضي. رديت، طلع صوت عمي “حسين”، كبير عيلة الخطيب بعد الحاج إسماعيل. صوته كان هادي وفيه هيبة بس مكسور:
“يا سيادة العقيد شاهندة.. أنا بكلمك بالنيابة عن العيلة كلها. طارق من ساعة ما رجع من المدافن وهو قافل على نفسه باب أوضة أبوه، رافض يشوف حد ولا يكلم حد، وحالته تصعب على الكافر. إحنا عرفنا كل حاجة، والبلد كلها اتفرجت على فضيحة شيرين وأهلها، والكل هنا بيشهد بنظافتك وشرفك.. العيلة عايزة تعمل قعدة صلح، ونيجي لحد عندك نعتذر لك ونرد لك اعتبارك قدام مصر كلها.”
أخدت نَفَس طويل، وابتسمت ابتسامة خفيفة فيها كل عزة النفس اللي في الدنيا، وقلتله:
“يا عم حسين.. مقمك على راسي، بس اعتبار شاهندة ردّه ربنا والبدلة الميري اللي لابساها من قبل ما آجي المدافن بتاعتكم. أنا مش مستنية قعدة صلح ولا اعتذار من حد. الحكاية خلصت من عشر سنين لما طارق رماني في الشارع، والنهاردة الحساب اتقفل بالورق والمستندات. قول لطارق إن الوجع اللي عاشه في كام ساعة هيفضل ملازمه لآخر يوم في عمره، وده عدل ربنا.”
قفلت السكة بالراحة، وخرجت الصالة لقيت العيال متجمعين على السفرة بيتعشوا ويضحكوا وأدهم بيراجع مع إخواته الصغيرين جدول مذاكرتهم للأسبوع الجديد.
وقفت اتفرج عليهم من بعيد، وحسيت براحة مفيش بعد كده. بصيت للسما من الشباك ودعيت للحاج إسماعيل بالرحمة، لأنه كان السبب في إن الحق يرجع لأصحابه حتى وهو في كفنه.
قسوتهم زمان هي اللي صنعت مني الست القوية بتاعة النهاردة. طويت صفحة عيلة الخطيب من حياتي للأبد، وقررت أعيش للي جاي.. لعيالي، وخدمتي، ومستقبلي اللي مفيش فيه مكان للكدب ولا للضعف.


