بعد غربه وشقي حكايات صافي هاني

رجعت من السعودية من غير ما أقول لأي حد بعد 5 سنين شقى وغربة.. ولقيت مراتي وابني بيموتوا من الجوع ورا القصر اللي أنا دافع تمنه، في نفس الوقت اللي أمي وأختي بيعملوا فيه حفلة جوه!
رجعت من السعودية من غير ما أقول لأي حد.
ولا حتى أمي.
ولا أختي.
ولا حتى مراتي.
خمس سنين كاملة شغال تحت شمس حامية لدرجة كنت بحس إنها بتسلخ الجلد عن العظم.. خمس سنين تراب في صدري، وحديد وشقى في إيدي، وسكوت مالي لياليا.. خمس سنين في أوض ضيقة، وأكل رخيص، وكنت ببعت كل قرش بجمعه لبلدي عشان مراتي “مايا” وابننا “إيثان” يعيشوا عيشة مرتاحة في البيت اللي بنيته طوبة طوبة.
كل شهر كنت ببعت 8000 دولار لأمي “هيلين”.
لما سافرت في الأول، مايا مكنش عندها حساب في البنك، فآمنت أمي على كل حاجة.. وفي كل مرة كنت بكلمها، كنت بقولها نفس الكلمتين:
“أهم حاجة مايا ميكونش ناقصها حاجة.. خدي بالك من ابني ومتحرميهوش من أي حاجة”.
وكل مرة كانت أمي بترد عليا بنفس الكلام:
“دي خرجت تشتري حاجات”.
“دي في الكوافير”.
“هتكلمك بعدين”.
وكنت بصدقها.. الواحد بيصدق أهله ودمه، حتى لو جواه إحساس بيقوله إن فيه حاجة غلط.
عقدي خلص بدري، فقررت أرجع من غير ما أعرف حد.. كنت عايز أشوف فرحة مايا أول ما أدخل من الباب.. جبت معايا شوكولاتة وغويشة دهب وكرتونة لعب كبيرة لإيثان.. كنت بتتخيل ابني وهو بيجري على الرخام ويضحك، وبتخيل مايا وهي بتبتسم ومرتاحة ومفيش حاجة شايلا همها.
وصلت البيت اللي بره المدينة.. بيت كبير، متشطب على الفرازة، ومثالي.. بس أول ما وقفت قدامه، حسيت بإنقباضة في قلبي.
صوت مزيكا عالي أوي طالع من جوه.. الأنوار كلها قايدة، وصوت الضحك مالي المكان.
حفلة!
أمي وأختي “كلير” عاملين حفلة ومعزوم فيها ناس أكابر، وخمور غالية، وضحكات مزيفة.. كل ده في بيتي أنا!
لفيت ورحت من الباب الوراني.. الجنينة ورا كانت ضلمة، وريحة المكان مليانة زفارة وأكل بايت.. وفجأة سمعت الصوت ده.
صوت طفل صغير:
“ماما.. أنا جعان”.
قلبي اتقبض ووقف.. وبعدها سمعت صوت مايا، كان طالع بالعافية وتعبان أوي:
“ششش.. بس يا حبيبي عشان تيتة متمسكناش.. خد كل دي، أنا غسلتها ومطرحهاش حاجة.. مش هتحس بطعم وحش”.
قربت أكتر.. ولما لمحتهم جوه..
كل حاجة فيا اتهدت واتكسرت..
يتبع
وقفت مكاني مش مصدق ودماغي بتلف.. يعني أنا هنا بشقى وبموت في الغربة، وببعت كل شهر شقى عمري عشان أمي وأختي يعيشوا في عز، ومراتي وابني يترموا ورا البيت زي الكلاب وجعانين؟!
دخلت عليهم المطبخ القديم الضلمة.. أول ما مايا شافتني، عينيها وسعت من الصدمة، واللقمة وقعت من إيدها.. مكنتش قادرة تقف على رجليها من الضعف.. وجريت عليا وهي بتعيط وتترعش، وإيثان استخبى وراها وهو خايف ومش مستوعب مين اللي دخل ده.. حضنتهم جامد وأنا دموعي نازلة، وحلفت في سري إن حقهم هيرجع وتالت ومتلت.


