وصلت الجنازه حكايات صافي هاني

​”دول جايين يودعوا جدهم”.

​”راجل ميعرفهمش وعمرهم ما كانوا عيلته!”

​لحد هنا وبس..

​بنتي الصغيرة خطت خطوة لقدام، صوتها كان هادي بس متهزش: “لأ.. ده جدهم”.

​الدنيا كلها وقفت.

​المدافن كلها كأنها اتجمدت في مكانها.

​ست كانت بتمسح دموعها ايدها وقفت بالمنديل عند شفايفها. التربي وقف مكانه والكتيب في إيده مفتوح. وفي حتة ورايا، حد شهق ومكملش النفس.

​ساعتها طارق لف وشه.

​كان واقف قريب من النعش، والحزن هادد حيله. في الأول، بحلق في العيال بذهول.

​في أدهم.

​في يوسف.

​في كريم.

​في نور.

​في جنا.

​وبالراحة، ملامح وشه بدأت تتبدل.

​حيرة.

​صدمة.

​وبعدين حاجة تانية أقوى بكتير..

​أنه عِرفهم!

​شيرين لقطت اللحظة دي هي كمان. الرعب ظهر في عينيها بوضوح قبل ما تحاول تداريه بسرعة ورا غضب مغلول. مدت إيدها بغشم ناحية بنتي.

​قفشت معصم إيدها قبل ما تلمس شعرة منها.

​وقلتلها بصوت واطي ومسموع: “إياكِ تلمسي عيل من عيالي”.

​السكوت اتبدل.

​مبقاش سكوت عزا واحترام.. بقى سكوت يخوف.

​طارق قرب، وهو مش قادر يشيل عينه من على العيال.

​”شاهندة…” قالها بصوت مخنوق ومتأثر. “إيه ده؟”

​إيدي فضلت ثابتة ومتهزتش، رغم إن صوابعي تحت الجوانتي كانت ضاغطة على الظرف المقفول بالشمع الأحمر اللي جايباه معايا.

​كان فيه تلات حاجات مخبياهم عنه من عشر سنين.

​وقتها، كنت مهدودة، تعبانة، ولوحدي ومفيش في حيلتي حيل أحارب عيلة كاملة قررت تظلمني وتطلعني مذنبة.

​تحليل DNA.

​ووصل اللوكاندا.

​وإقرار متوثق في الشهر العقاري شيرين كانت فاكرة إنه اعدم واتقرا عليه الفاتحة.

​الحقيقة مش دايماً بتيجي بزعيق وصوت عالي.

​ساعات بتيجي في هدوء، مطوية جوه ورقة، مستنية اللحظة اللي الكدب فيها يفلس وميلايقيش حتة يستخبى فيها.

​بصيت بصه أخيرة على قبر الحاج إسماعيل.

​وبعدين بصيت لطارق.

​وبعدين لشيرين، اللي كانت ثقتها في نفسها بتسيح وبتنهار قدام عيون كل اللي واقفين.

​وقلت برساوة: “دول.. هما الحاجة اللي إنت رمتها وبعتها من عشر سنين”.

​عيني طارق نزلت على الظرف اللي في إيدي.

​صوت شيرين اتهز وهي بترتعش: “شاهندة.. بلاش.. بلاش تعملي كده”.

​ولما طارق بص لوشها المرعوب ورجع بص في وشي، وفهم إنها مكنتش متفاجئة ولا حاجة وعارفة كل حاجة، قرب مني خطوة وسألني وهو بيموت من اللفحة وهو بيهمَس

— “هما دول عيالي يا شاهندة؟ الخمسة دول ولادي أنا؟”

​نبرة صوته كان فيها شرخ، مزيج بين صدمة العمر وندم متأخر بيأكل في صاحبه. خطى خطوة كمان ناحيتنا، ورجليه كأنها مش شايلاه، ومد إيده بالراحة وهو بيترعش كأنه خايف يلمسهم فيطلعوا سراب ويختفوا. عينيه كانت بتتنقل بين أدهم وكريم، بيشوف فيهم ملامح شبابه، ويرجع يبص للبنتين اللي واخدين نفس رسمة عينيه بالمللي.

​شيرين حست إن السجادة بتتسحب من تحت رجليها، صرخت بصوت مخنوق وهي بتشد طارق من دراعه:

“طارق! إنت هتصدق الفيلم الهندي ده؟ دي جاية تبوظ الجنازة وتعمل شو! دي واحدة باعتك وزمانها…”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *